
وقف الدم في عروقي، وحسيت بركبي بتخبط في بعضها من كتر الرعب والارتباك. حماتي واقفة في نص الصالة ومسكة شنطة الخضار، وباب الحمام على بعد خطوات معدودة من المكان اللي هي واقفة فيه! السر اللي حلفني حمايا أحافظ عليه ونحميه بكل قوة، والراجل اللي طلع بيتحمل الألم والمناهدة كل يوم عشان يحافظ على مشاعر مراته وصحتها، كان على وشك إنه يتقفش في ثانية واحدة وتتخرب الدنيا فوق دماغي ودماغهم.
-
حكايات زهره الربيع 3منذ ساعة واحدة
-
حكايات زهره الربيع 1منذ ساعة واحدة
-
حكايات امانى السيدمنذ 3 ساعات
-
تحت الفراش حكايات اسما السيد 4منذ 4 ساعات
في الأوقات دي، العقل بيشتغل في أجزاء من الثانية.. كنت عارفة إن حمايا جوة الحمام خلص تقريباً، وأي لحظة هيفتح الباب ويخرج، ولو خرج وشاف مراته قدامه، الصدمة هتبقى كفيلة بأنها تهد كل حاجة، غير إن ريحة الفلتر والمادة المعالجة اللي ركبها كانت بتتسرب ببطء تحت الباب، ورغم إنها مش قوية جداً برة الحمام، بس بالنسبة لست عندها حساسية حادة على الصدر زي حماتي، أي لحسة ريحة غريبة كفيلة تخليها تكح وتسأل وتتبصص في كل حاجة!
عملت أسرع حركة ممكنة عشان أشتت انتباهها وأبعدها عن منطقة الحمام تماماً.. أخدت خطوة سريعة لجامبها، وضغطت على إيدها بابتسامة متوترة جداً وقلت بصوت عالي شوية عشان أسمّع حمايا جوة الحمام فيأخد باله وما يخرجش: “يا حبيبتي يا ماما! ألف شكر على الخضار، تعبتِ نفسك ليه بس؟ تعالي تعالي ادخلي معايا المطبخ نحط الخضار في التلاجة ونشرب حاجة دافية سوا، الشقة منورة بيكِ والله!”
حماتي بصتلي باستغراب من اندفاعي وحماسي المبالغ فيه، وقالت وهي بتبص حواليها بفضول الستات الكبار: “الله يخليكي يا آلاء يا بنتي.. تسلمي، بس إيه الصوت اللي جوة ده؟ هو فيه حد عندك ولا إيه؟ السباكة شغالة ولا الصوت ده جاي منين؟”
قلبي كان بيدق زي الطبول.. حمايا سمعني وأكيد جمد مكانه جوة الحمام ومش قادر يخرج ولا يحرك ساكن. مسكت إيد حماتي وجريتها بأسلوب ناعم بس مصمم ناحية المطبخ، وقلت بصوت طالع بالعافية: “لا لا يا ماما ده.. ده أنا كنت بغسل الحمام وبنضفه وشغلت السيفون والرشاش قبل ما تدخلي بثواني! تعالي بس قوليلي رأيك في طريقة التتبيلة اللي عملتها للغدا، أنا محتاجة خبرتك جداً في الموضوع ده!”
دخلت حماتي المطبخ بالخير والبركة، وأول ما حطت رجليها جوة وزاوية رؤيتها لباب الحمام اتعدمت، حطيت إيدي على قلبي واتنفست الصعداء، بس المشكلة مكنتش خلصت.. المشكلة كانت يلا ابتديت! حمايا محبوس جوة الحمام مش عارف يخرج، وحماتي واقفة معايا في المطبخ بتفتح التلاجة وبتقلب في الأواني، ولو قررت تخرج تروح الصالة تاني هتشوفه وهو بيتسحب ومطأطأ رأسه على السلم!
وقفت في نص المطبخ وعقلي شغال زي الماكينة.. إزاي هخرج حمايا من الحمام من غير ما حماتي تحس؟ وإزاي أمنعها إنها تشم أي ريحة معقم طالعة من الحمام لو خرجت؟
قلت لحماتي بسرعة: “ماما معلش، أنا نسيت البوتاجاز والزيت بيغلي، اقعدي أنتِ بس على الكرسي ده واستريحي وأنا هجيبلك كوباية عصير فريش من التلاجة فوراً!”
حماتي قعدت على الكرسي وهي بتقول: “يا بنتي ما تتعبيش نفسك، أنا طالعة أطمن عليكِ وأشوفك محتاجة حاجة ولا لأ، بس أنتِ مال وشك أصفر ومخضوضة كده ليه؟ هو ابني زعل في حاجة ولا إيه؟”
رديت وأنا باخد نفسي بالعافية: “لا والله يا ماما، ده بس الإرهاق بتاع المطبخ وتنظيف البيت.. ثواني أراجع التنظيف برة وأجيلك على طول!”
خرجت من المطبخ بلمح البصر، وجريت على باب الحمام على أطراف صوابعي.. خبطت خبطتين خفاف جداً على الباب وقلت بصوت واطي ومجهد: “يا بابا.. يا بابا أخرج بسرعة وانزل السلم بالراحة، ماما جوة في المطبخ ومش شايفاك، يلا بسرعة!”
باب الحمام اتفتح بالراحة جداً، وخرج منه حمايا.. وشي الراجل كان أبيض زي الفرخة المذبوحة من كتر الخوف والكسوف. كان ماسك جلبابه في إيده وبيترعش كأنه اتكشف في جريمة، وبصلي بدموع حبسها في عينيه وقال بصوت وهمس مرعوب: “أنا آسف يا آلاء.. والله آسف يا بنتي، أنا مكنتش أعرف إنها طالعة.. أنا أزيتك وورطتك معايا!”
مسكت إيده بسرعة وقلتله بنبرة حازمة ومطمنة: “ولا يهمك يا بابا، انزل بسرعة بالراحة ومن غير ما تعمل صوت، أنا هلهيها جوة المطبخ لحد ما توصل شقتك تحت!”
حمايا هز رأسه بالقبول وشكرني بنظرة مش هنسى أثرها في حياتي، وانسحب ببطء شديد وبخطوات متسلسلة ناحية باب الشقة الشبه مفتوح، وخرج وانزلق على السلم زي الطيف. أول ما سمعت باب شقته تحت بيتقفل بالراحة، حسيت إن جبل إتشال من على صدري!
بس الفرحة مكملتش.. رجعت المطبخ عشان أهدى وأكمل كلامي مع حماتي، بس وأنا داخلة، لقيت حماتي قامت من على الكرسي وكانت طالعة من المطبخ رايحة ناحية الصالة!
قالتلي وهي ماشية: “أنا هطلع أشوف الصالة عندك وأعدل المفرش اللي على الترابيزة ده يا آلاء، عشان تبقى الشقة مرتبة قبل ما ابني يرجع من شغله..”
وفعلاً، خرجت حماتي للصالة، وأول ما قربت من المفرش اللي جنب الحمام، وقفت فجأة!
سكنت الحركة في جسمها، وبدأت تستنشق الهواء بنظرة غريبة جداً.. وبعدين كحت كحة خفيفة، وبصتلي بعيون واسعة ومليانة شك واستغراب!
قلبي نزل في رجلي تاني.. الريحة! ريحة المعقم المعالج والفلتر كانت لسة معلقة في الهواء القريب من الحمام!
قالت حماتي بنبرة فيها حدة وتساؤل عجيب: “إيه الريحة دي يا آلاء؟ الريحة دي مش غريبة عليا.. أنا شامة ريحة مادة نفاذة، ريحة كيميائية زي اللي كانت في المستشفى زمان! أنتِ بتمسحي الحمام بإيه يا بنتي؟ أنتِ جايبة منظفات نوعها إيه؟”
أنا اتسمرت مكاني.. لو قلتلها منظف عادي، ممكن تطلب تشوف الإزازة، ولو دخلت الحمام تشوف، هتشوف صندوق الطرد والوصلات المعالجة الطببة اللي تركيبها غير السباكة العادية! ولو شكت في حاجة، هتقلب الدنيا وتفضل تنبش لحد ما توصل للحقيقة، وحمايا تحت حذرتي إنها لو عرفت هتحس بالذنب وتدخل في نوبة حساسية من كتر الزعل!
رديت بسرعة وحاولت أخبي توتري بأي طريقة: “دي.. دي مادة معقمة جديدة يا ماما، حمزة جوزي جابها من الصيدلية عشان يطهر بيها السباكة والمواسير، قال لي إنها كويسة عشان البكتيريا والميكروبات.. بس هي ريحتها شديدة شوية، عشان كده أنا كنت قافلة الباب وبغسل الحمام!”
حماتي قربت خطوة ناحية باب الحمام، وقالت وهي بتضيق عينيها بذكاء الستات الكبار: “بس الريحة دي مش غريبة عليا يا آلاء.. الريحة دي أنا شميتها من سنتين لما تعبت ودخلت العناية المركزة! الدكتور ساعتها قال إن جوزك أو أبو جوزك كان بيستعمل مادة معينة هي اللي سببتلي الأزمة.. هو جوزك بيجيب المادة دي تاني ليه؟ وهل أبوه يعرف بالموضوع ده؟”




