روايات وقصص

انا وجوزى حكايات رومانى مكرم 3

جمعت هدومي في شنطة صغيرة، وطلعت الأوراق والفواتير بتاعة الدهب والسبائك، وأخذت القرار اللي هيغير كل حاجة في القصة دي.

مش هسيب جوزي يموت بحسرته، ومش هسيب بناتي يتسرقوا مني، ومش هسيب أختي نجلاء تتمتع بالفلوس الحرام في دبي وتضحك علينا كلنا!

مقالات ذات صلة

خرجت من البيت ورحت مباشرة على مكتب محامي كبير متخصص في القضايا الدولية والأحوال الشخصية.. دخلت مكتبه وقعدت بثبات وقوة لم أعهدها في نفسي من قبل.

بصيت للمحامي وقلتله بصوت حاسم: “يا متر.. أنا عاوزة أرفع ثلاث قضايا في نفس الوقت: قضية استرداد حضانة بناتي فوراً، وقضية منع من السفر وتجميد أموال لأختي في الإمارات عن طريق النيابة العامة، وقضية تمكين من رؤية جوزي ومتابعة حالته الصحية بالقانون!”

المحامي تبسم بذكاء وقال: “الكلام ده محتاج نفس طويل وفلوس وحرب قضائية ثقيلة يا مدام أمل.. هل أنتِ قد الحرب دي؟”

رفعت رأسي فوق وقلت بثبات: “أنا خسرت كل حاجة يا متر.. واللي يخسر كل حاجة، مابيعملش حساب لأي حد في الدنيا غير حقه!”

خرجت من مكتب المحامي وأنا حاسة إن الدم رجع يجري في عروقي بأسيد مش بمية. الخوف اتقتل، واللي بيضيع منه كل حاجة مابيبقاش عنده حاجة يبكي عليها. الأستاذ رفعت المحامي أخد صور الفواتير، وتحويلات الصرافة، وأوراق النيابة، وبدأ يشتغل على التو.

“أول خطوة يا مدام أمل،” رفعت قال وهو بيظبط نظارته بثبات: “هنتحرك رسمياً عن طريق النيابة العامة بطلب للمستشار النائب العام لإخطار الإنتربول الدولي ومخاطبة السلطات القضائية في دبي لتجميد حساب أختك نجلاء وزوجها، واستصدار أمر بمنعهم من السفر وتفتيش حساباتهم البنكية. الفلوس دي طالما دخلت في غسيل أموال وسرقة، الإمارات مابتتساهلش في أمور الشرف المالي دي أبداً.”

ثاني يوم الصبح، كنت في الأتوبيس المتجه للشرقية. الطريق كان طويل وناشف، بس عقلي كان بيغلي. حماتي فاكرة إنها بكلمتين وهديد بالمرض هتقفل الباب في وشي وتخليني أستسلم وأسيب بناتي يتربوا على كرهي. لا يا حجة.. أمل القديمة اللي كانت بتبكي وتستسمح ماتت في الصالة قدام المراية.

وصلت قرية صالح في الشرقية، بيت عيلته كان بيت كبير من دورين في أطراف البلد. مشيت في الشوارع الترابية والعيون كلها عليا.. الناس في البلد كانوا عرفوا باللي حصل، والنظرات كانت مليانة قسوة وكلام مسموم: “أهو أخت الحرامية جت.. دي اللي ضيعت ولدنا وجابته أرضاً.”

طنشت كل الهمس ده، ووصلت لباب البيت. ضربت الباب بقوة وثبات من غير ما إيدي ترتعش.

بعد لحظات، فتحت حماتي.. أول ما شافتني، وشها اتغير ومسكت الباب بغل: “أنتِ إيه اللي جابك هنا يا بومة؟! مش قلتلك مالكيش مكان عندنا ومفيش دخول هنا؟!”

زقيت الباب بإيدي بقوة وجرأة صدمتها، ودخلت صالة البيت وصوتي هز المكان: “أنا جاية لأجوزي وبناتي يا حجة! البيت ده يدخله القانون وتدخله أم البنات بالذوق أو بالعافية! بناتي فين؟!”

حماتي صرخت وتلموا سلفاتي وأخوات صالح: “يا قلّة حياكِ! جاية تتبجحي بعد ما أهلك سرقوا الراجل وجابولوا جلطة وشلل؟! برة يا بت أنتِ!”

في اللحظة دي، سمعت صوت محشر ومرتجع طالع من الأوضة الجوانية.. صوت صالح!

“سيبوها.. سيبوها تدخل يا أمي.”

البيت سكت تماماً. مشيت بخطوات ثقيلة ناحية الأوضة وفتحت الباب.

صالح كان راقد على السرير، نصفه الشمال مابيتحركش، وشه ممسوح منه النص تقريباً بآثار الجلطة، وعينيه كانت دبلانة ومكسورة.. نور وفريدة كانوا قاعدين جنبه على السرير، أول ما شافوني صرخوا: “ماما!” وجيوا يجري يترسوا في حضني.

حضنتهم بقوة، بست رؤوسهم وإيديهم، ودموعي نزلت غصب عني من الشوق والوجع. بصيت لصالح، كان باصصلي بعين واحدة صحيحة، عين مليانة وجع وكبرياء مجروح.

قربت منه، وقعدت على طرف السرير، ومسكت إيده السليمة اليمين.. سحبها ببطء، بس أنا مسكت فيها بقوة وما سبتهاش.

“جاية ليه يا أمل؟” صالح قالها بصوت مبشوح وتقيل، الكلمات بتخرج من بؤه بالعافية بسبب الشلل: “جاية تشوفي حسرتي؟ جاية تشوفي الجبل اللي هديتيه أنتِ وأهلك؟”

بصيت في عينيه وقلت بصوت حاسم وخالي من أي ضعف: “أنا مش جاية أتأسف يا صالح، ولا جاية أستسمحك.. أنا جاية أقولك إنك غلطت في حقي زي ما أهلي غلطوا في حقك! أنا اتخدعت زيي زيك، وأنت بدل ما تسندني في الصدمة، بعتني ورميتني للكلاب وأخدت بناتي وسيبتني أموت لوحدي!”

صالح غمض عينيه بتعب ودمعة حارة نزلت على خده، وقال بكسرة: “أهلك أخدوا عمري يا أمل.. أخدوا الفلوس والدهب وشقا الخليج كله.. أنا مبقتش راجل، بقيت عاجز على السرير!”

“الدهب هيرجع يا صالح!” قلتها وأنا بقرب منه وبصوت هز الأوضة: “واللي أخد الفلوس هيدفع التمن، سواء حسام أو سمر أو نجلاء اللي في دبي! النائب العام أصدر قرار بإبلاغ الإنتربول، ونجلاء محاصرة هناك والفلوس هتتأمم وترجع للنيابة مصر! وأنت مش عاجز.. أنت جبل وهتقوم تقف على رجليك عشان خاطر البنات دول!”

صالح فتح عينيه بذهول وصدمة: “نجلاء؟! نجلاء اللي في دبي هي اللي أخدت الفلوس؟!”

“أيوة يا صالح.. التشكيل العصابي كان بقيادة أختي سمر ونجلاء، وحسام وطارق كانوا مجرد أدوات، وأمي كانت الغطاء المخدوع اللي اتضحك عليه باسم المساعدة! أهلي طلعوا رخاص يا صالح، بس أنا مش رخيصة.. وأنا مش هسيب حقك ولا حق بناتي يضيع، حتى لو هحارب الدنيا كلها!”

حماتي وأخوات صالح كانوا واقفين عند الباب بيسمعوا بذهول، سلفاتي وشهوم اتغير لما عرفوا إن القضية كبرت ووصلت للإمارات والإنتربول.

صالح بصلي لفترة طويلة.. النظرة اللي في عينيه اتغيرت، القسوة والكره اللي كانوا موجودين بدأوا ييدوبوا ويحل محلهم دهشة وندم مكتوم. مسك إيدي ببطء بصوابعه السليمة، وضغط عليها بصعوبة وقال: “أنتِ.. أنتِ عملتي كل ده يا أمل؟”

“أنا أمل اللي حبتك وصانتك أربع سنين يا صالح.. أمل اللي كنت بتقولها ده أمان بناتنا.. أنا مابعتكش، بس أنت اللي استعجلت ورميتني.”

في اللحظة دي، دخل أخوه الكبير حاج متولي الأوضة، وقال بجدية: “الكلام ده صح يا أمل؟ الإنتربول بيلحق نجلاء برة؟”

طلعت من شنطتي صور أوراق النيابة وقرار المحامي وفتحتها قدامهم: “دي أوراق النيابة العامة، والتحويلات الرسمية باسم نجلاء وزوجها.. القضية بقت قضية رأي عام وغسيل أموال برة وجوة مصر. والدهب اللي اتضبط في الصاغة النيابة هتفرمه وتسلمه لصالح أول ما التحقيقات تنتهي!”

الحاج متولي بص لصالح وقال: “يا صالح.. مراتك مش خاينة.. مراتك مظلومة في وسط عيلة فاسدة، واللي بتعمله ده ما تعملهوش ست بياعة.”

صالح غمض عينيه ونزل رأسه على المخدة، وبكى بصوت مكتوم.. بكاء راجل صلب انكسر من الخيانة ورجع حيي من الشجاعة اللي شافها في عين مراته.

وقفت وقلت للحاج متولي ولحماتي بثبات: “أنا راجعة القاهرة أتابع التحقيقات مع المحامي ومع النيابة.. البنات هيفضلوا هنا مع أباهم عشان يرعاهم ويسندوه في العلاج الطبيعي، وأنا كل أسبوع هاجي أطمن عليه وعليكم.. ولما الحق يرجع كاملاً، صالح هو اللي هيقرر إذا كنا هنبدأ من جديد ولا كل واحد يروح لحاله.”

بصيت لصالح، وقلتله: “قوم يا صالح.. قوم عشان نكسر عين كل واحد طمع فينا وحسب إننا انتهينا.”

خرجت من بيت أهله في الشرقية ورأسي مرفوعة فوق، سبت حماتي وسلفاتي واقفين مش عارفين يقولوا كلمة واحدة.

رجعت القاهرة، وكان الأستاذ رفعت المحامي مستنيني أمام النيابة العامة بتطور جديد ومذهل.

“مدام أمل!” رفعت قال وهو بيبتسم بنصر: “الشرطة في دبي ألقت القبض على نجلاء وزوجها بناءً على طلب الإنتربول المصري! وتم التحفظ على الحساب البنكي اللي فيه المبلغ بالكامل، وسيتم رحيلهم للقاهرة خلال 48 ساعة لمواجهة النيابة العامة!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى