روايات وقصص

حكايات ندى الجمل 2

وصلنا العمارة في الهدوء التام. العيلة كلها كانت ماشية ورايا وهي بتتودود، حالة من الذهول والفضول طافية على وشوشهم، وأمي عمالة تمسك في إيدي وتهزني: ـ يا سلمى يا بنتي فهمينا في إيه؟ إحنا رايحين فين بالليل كده وليه جايبانا المنطقة دي؟

 

مقالات ذات صلة

ما كنتش برد. كنت بصالهم بنظرات ثقيلة ومكملة طريقي للأسانسير. طلعنا الدور الرابع، ووقفت قدام باب الشقة. الشقة اللي كان المفروض كريم فيها بيحضر “المؤتمر الطبي”، وياسمين فيها بتزور “أختها في البلد”.

إيدي كانت بتترعش بس المرة دي مش من الخوف.. من نار الانتقام اللي كانت بتاكل في صدري. طلعت المفتاح اللي نسخته من ورا كريم، وحطيته في الباب ببطء شديد عشان محدش يحس بالصوت.

لفيت المفتاح.. الباب اتفتح.

الصالة كانت ظالمة، بس النور جاي من أوضة النوم الداخلية، وصوت ضحكاتهم العالية والهانئة كان مالي المكان. ضحكات كانت بتدبحني في كل ثانية، بس في نفس الوقت بتديني القوة إني أكمل.

شاورت للعيلة كلهم يدخلوا بتهدئة، ودخلوا ورايا حافيين من غير صوت، مش فاهمين حاجة، لحد ما قربنا من باب الأوضة المفتوح موارب.

وهناك.. اتكشفت الحقيقة البشعة قدام الكل.

كريم وقاعد جنب ياسمين، بيضحكوا وبيشربوا عصير، وبيخططوا لمستقبلهم بكل بجاحة. سمعنا كريم بوضوح وهو بيقولها:

ـ أول ما نرجع، هبدأ أنقل ملكية نص المركز ليكي بالتدريج.. سلمى مش هتأخد بالها، هي طيبة وهبلة وبتصدق أي كلمة بقولها لها.

ويرد عليه صوت ياسمين بنفس البرود:

ـ أهم حاجة العيال ما يحسوش بحاجة دلوقتي، ولما نعلن جوازنا نقول إن ده عشان نلم شمل العيلة ووصية أحمد!

في اللحظة دي.. أمي صرخت صرخة هزت أركان العمارة كلها.

كريم وياسمين اتنفضوا من مكانهم زي اللي اتكهربوا. ياسمين صرخت وغطت وشها بالغطا، وكريم وشها بقى أبيض زي القماش، عينيه اتوسعت من الرعب وهو شايف الصالة مليانة بعيلة أحمد كلها.. أمي، وإخواتي، وعمامي.

إخواتي أحمد وعمامي أسرعوا على الأوضة زي الأسود الجريحة. دخلوا على كريم ضرب واعتداء محصلش، الشقة اتقلبت جحيم في ثواني. كريم كان بيصرخ ويحاول يدافع عن نفسه، وياسمين كانت بتصرخ وبتتوسل لأمي:

ـ ياما سامحيني! والله هو اللي ضحك عليا! والله هو اللي أغراني!

أمي وقعت على الأرض من طولها من كتر الصدمة والضغط، وعمتي وبنات عمي بيحاولوا يفوقوها وهم بيصرخوا وبيشتموا ياسمين:

ـ يا خاينة! يا واطية! ده إحنا كبرناكي وشيلناكي على رأسنا! ده أحمد مات وهو فاكرك ست صائنة لبيته!

أنا كنت واقفة عند باب الأوضة.. مش بصرخ، مش بعيط، ولا بمد إيدي. كنت واقفة ببتسم ابتسامة مكسورة وباردة.

كريم وهو ملطخ بالدم وبيحاول يهرب من إيد إخواتي، بصلي بدموع وترجي:

ـ سلمى! الحقيني يا سلمى! والله مظلوم! أفهمك كل حاجة!

قربت منه ببطء شديد، ووطيت مستواه وهو مرمي على الأرض، وقلت له بصوت واطي وواضح يوصل لأدنه بس:

ـ «إنتِ مراتي وحبيبتي وأنا اتجوزتك عشانك مش عشان العيال».. فاكر الجملة دي؟ أنا بقى جمعت العيلة دي كلها عشان أوريهم الحب والوفاء اللي كنت بتديهولي.

وبعدين بصيت لياسمين اللي كانت بتعيط وبتبوس جزمة أمي عشان تسامحها، وقلت لها:

ـ الوصية اتصانت يا ياسمين.. بس للأسف، إنتِ اللي بعتيها وبعتي دم جوزك.

طلعت تليفوني، وكنت مسجلة كل المحادثات والصور اللي على تليفون كريم، وحولتها على جروب العيلة الكبير اللي فيه كل قرايبنا من الصعيد للرئيسية، وضغطت “إرسال”.

قلت لإخواتي بصوت ثابت:

ـ سيبوه.. الموت ضربًا خسارة فيه. الخزي والعار اللي هيمشوا بيه بقية حياتهم أكتر بكثير من أي ضرب.

أخدت أمي في حضني، وخرجنا كلنا من الشقة، وسبناهم في نجاستهم وخزيها قدام ربنا والناس.

بس اللي كريم وياسمين ما يعرفوهوش.. إن انتقامي ما خلصش عند اللحظة دي. دي كانت مجرد الفضيحة.. لكن الضربة القاضية في شغلي، وفي فلوسهم، وفي العيال.. كانت لسه جاية في الطريق، والقرار اللي هاخده بكره الصبح هو اللي هيخلي العيلة كلها تنهار من العياط.

القرار اللي أخدته تاني يوم الصبح ماكانش قرار غضب ولا لحظة اندفاع، كان قرار هادي جدًا.. هادي لدرجة ترعب.

من صدمة الفضيحة بالليل، محدش في العيلة قدر ينام. البيت كان عبارة عن مأتم جديد، أمي قاعدة في الصالة ضاغطة على صدرها وبتعيط بدموع مكتومة وهي بتبص لصورة أخويا أحمد المتقطعة على الحيطة، وإخواتي رايحين جايين زي النار المشتعلة، وعمام العيال قاعدين ووشهم في الأرض من كتر العار.

أنا دخلت أوضتي، قفلت الباب عليا، وقعدت قدام المنظرة. ما نزلتش مني ولا دمعة. مسحت وشي، وطلعت أوراق المركز، وعقود ملكية الأرض، وحسابات البنوك.

الناس فاكرة إن كريم هو الشريك الأساسي في المركز، بس الحقيقة اللي محدش كان يعرفها —ولا حتى كريم نفسه كان مقدرها— إن الأرض مكتوبة باسمي أنا من فلوس ورثي عن أبويا، وإن التراخيص الرسمية للفيلا والمركز طالعة باسم الدكتورة سلمى فقط، وهو مجرد شريك بالإدارة والنفس.

الساعة جابِت 8 الصبح.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى