روايات وقصص

حكايات ندى الجمل 2

لبست أبيض.. أبيض ناصع زي اللي بفتحه في أوضة العمليات لما أكون داخلة أطهر مكان من مرض خبيث. نزلت الصالة، العيلة كلها كانت صحيان ومستنية تشوفني هعمل إيه. كانوا فاكرين إني هروح أرفع قضية طلاق وأقعد أندب حظي.

بصيت لأمي وقلت لها بصوت ثابت:

مقالات ذات صلة

ـ قوموا معايا.. إحنا رايحين المركز.

وصلنا المركز، وبمجرد ما دخلنا، لقيت العاملين والتمريض واقفين بيتهامسوا. الخبر كان وصل للمكان من الليل، الفضايح بتتطير زي النار في القش.

ودقايق بس.. ولقيت كريم داخل من الباب. وشها كان متبهدل من ضرب إخواتي بالليل، عينيه متورمة، وماشي بالعافية، بس أول ما شافني جيه يجري عليا وهو بينهج، وورا منه ياسمين داخلة زي الخيال، وشها أصفر وجسمها بيتفاض من الخوف، لابسة طرحتها بلكلكة ومحدش قادر يبص في عين التاني.

كريم وقف قدامي، وحاول يمسك إيدي قدام كل التمريض والدكاترة:

ـ سلمى! أرجوكي اسمعيني! أنا اضحك عليا، ياسمين هي اللي استغلت ضعفي وحاجتي للعيال! أنا بحبك إنتِ، والله العظيم بحبك إنتِ! مستعد أعمل أي حاجة بس ما تهدّيش اللي بنيناه في 8 سنين!

ياسمين أول ما سمعته بيمسح فيها التهمة، صرخت فيه بعياط وكسرة:

ـ أنا يا كريم؟! أنا اللي جيتلك ولا إنت اللي فضلت ورايا وتقوللي هعوضك عن أحمد وهبقى سند لعيالك؟! إنت اللي استغلت ظروفي وقليلة حيلتي!

وقفت في نص صالة الاستقبال الكبيرة، بين كريم وياسمين، والعيلة كلها واقفه ورايا، والدكاترة والتمريض بيتفرجوا.

ابتسمت لهم ببرود تام.. رفعت الشنطة وطلعت منها ملف أحمر كبير وورق رسمي عليه ختم المحكمة والشهر العقاري.

قلت بصوت عالي وواضح جاب آخر المركز:

ـ أولاً يا دكتور كريم.. ده قرار طرد وفسخ عقد شراكة فورًا. المركز ده أرضه ومرخصه باسمي، وإنت من اللحظة دي مالكش عيش ولا قدم هنا، ورفعت عليك قضية تبديد ومحضر بعدم التعرض، ولو قدمت إيدك على أي جهاز هنا هتروح في داهية بالقانون.

كريم اتصدم، عينيه اتوسعت وقال بصوت مرعوب:

ـ إنتِ بتطرديني يا سلمى؟! أنا الشاطر اللي مشهّر المكان ده! هترمي 8 سنين شغلي في الشارع؟!

ما رديتش عليه، ولفت وشي لياسمين اللي كانت واقفة بتتصفى من العياط ومستنية ضربتي ليها.

قربت منها خطوتين، وبصيت في عينها بثبات، وطلعت المحفظة بتاعتي.. طلعت منها كل الفلوس اللي فيها، وحطيتها في إيدها، وقلت لها:

ـ ودي آخر مهية ليكي عندي يا ياسمين.. مش بصفتك مديرة المركز، بصفتك أرملة أحمد أخويا.

ياسمين شهقت بدموع وهي بتهز رأسها:

ـ سامحيني يا سلمى.. والله العيلاء مالهمش ذنب، أرجوكي ما ترميناش في الشارع!

هنا بقى.. جيه وقت القرار اللي خلّى كل العيلة تنهار من العياط.

لتفت لعمامي وإخواتي وأمي، وقلت لهم بصوت نقي وصافي، بس كل كلمة فيه كانت بتهز الحديد:

ـ أبويا الله يرحمه قبل ما يموت قال: “مرات أخوكم أمانة في رقبتكم، وعيال أحمد دول عيالكم”. وأنا عمر أمانة أبويا ما تتكسر بسببي.. حتى لو الأمانة نفسها طلعت خاينة.

الكل سكت، ياسمين رفعت رأسها بذهول ومش مصدقة.

كملت كلامي:

ـ ياسمين من النهارده مالهاش دخول بيتي ولا المركز، ومالهاش أي تعامل معايا كست. بس عيال أخويا أحمد.. عمر، وليلى، وآدم.. ملهمش ذنب في وساخة الكبار. من اللحظة دي، أنا هكتب شقة أبويا القديمة باسم العيال التلاتة، وحساب بنكي مقفول لمصاريفهم ودراستهم لحد ما يكبروا ويتخرجوا.. تحت إشراف عمامهم، ومن غير ما ياسمين تلمس منه جنيه واحد ولا تحكم فيه.

بصيت لياسمين وقلت لها:

ـ هتربي عيال أخويا في بيت أحمد، بفلوس أحمد وعرق عيلته.. بس إنتِ بالنسبة لي ميتة. مش هشوف وشك، ولا هتدخلي بيتي، ولا هتحسي بأمان معايا تاني. العيال يصانوا عشان خاطر دم أحمد ووصية أبويا.. إنما إنتِ؟ إنتِ هتعيشي طول عمرك خادمة لعيالك، بتشوفيهم بيكبروا بفضلي أنا، وإنتِ مجرد خاينة ملهاش وجود.

في اللحظة دي.. أمي وقعت على الركب في الأرض وبكت بصوت يقطع القلب، إخواتي الكبار غطوا وشوشهم بإن أيديهم وبكوا زي الأطفال. العيلة كلها انهارت من الدموع.. مش عشان الخيانة، بس عشان جلال الموقف. عشان شافوا بنت أصول بترد الخيانة والصفعة بأخلاق مفيش زيها، بتصون وصية الميت ودم الأخ، وفي نفس الوقت بتدبح الخاينين بالقانون والكرامة من غير ما توسخ إيدها.

كريم كان واقف زي المذلول، حاسس إنه خسر كل حاجة: مراته، ومركزه، وسمعته، وهيبته قدام الناس، وحتى الست اللي كان فاكر إنه بيضحك عليها، طلعت هي اللي سايباه عريان قدام الدنيا كلها.

مسكت شنطتي، وبصيت لكريم للمرة الأخيرة وقبل ما ألف وأمشي، قلت له الجملة اللي كانت المسمار الأخير:

ـ كنت بتقول لها إني مش بخلف وما أقدرش أعملك عيلة؟ إنت صح يا كريم.. أنا ربنا ما رزقنيش أطفال من بطني، بس رزقني أكون أجدع وأرجل منك ومنها، والمركز ده اللي كنت عايز تسرقه.. هيفضل منور باسم سلمى، وإنت هتمشي تدور على لقمتك في الشوارع.

مشيت وسبتهم ورايا بيتحرقوا في بنارهم.. بس الحكاية لسه ليها فصل أخير، والقدر كان مخبي مفاجأة لأم الأطفال ولجوزي الخاين.. مفاجأة هزت المنطقة كلها وزلزلت حياتهم من جديد.

مرّت ستة أشهر على اليوم ده… ستة أشهر كانوا كفيلين إن كل واحد ياخد جزاءه وعدل ربنا يترد قدام عين الكُل.

كريم طُلّق رسمي، وحاول يرجع يفتح عيادة صغيرة في مكان بعيد، بس الفضيحة كانت سبقاه في كل شبر. سمعته بقت في الأرض، والدكاترة والتمريض بقوا يتهربوا من التعامل معاه. خسارة المركز وبُعد الناس عنه خلوه ينعزل ويغرق في ديونه، لحد ما اضطر يبيع عربيته ويشتغل في مستوصفات صغيرة بنبطشيات ليلية عشان بس يلاقي يومه، وهيبته وشبابه اللي كان يتباهى بيهم اتكسروا تمامًا.

أما ياسمين، فكان عقابها أقسى وأشد. عاشت في شقة أبويا القديمة مع العيال، بس كانت عايشة زي الغريبة. العيال كبروا شويه وبدأوا يفهموا، ونظرات الجفاء في عينين عيلة أحمد كانت بتدبحها كل يوم. ما بتمسكش جنيه في إيدها؛ المصاريف والأكل والهدوم كانت بتوصل للبيت عن طريق عمامهم مباشرة، وهي قاعدة محبوسة بين أربع حيطان، حاسة بقلة القيمة والعار اللي يلازمها طول عمرها. لا طالت كريم، ولا طالت احترام الناس، ولا حتى قدرت ترفع عينها في وش حد.

وفي يوم كان عادي جدًا، وأنا قاعدة في مكتبي بالمركز، اللي ربنا كرمه وبقى من أكبر المراكز في المنطقة كلها بفضل دعوات أمي ووقفتي مع الحق، حسيت بدوخة غريبة وتعب مش متعودة عليه.

أنا دكتورة نسا، فاهمة الأعراض كويس، بس عقلي كان رافض يصدق. التفكير ده كان بالنسبة لي باب مقفول من سنين.

رحت أوضة السونار بنفسي… عملت الفحص وإيدي بتترعش.

ولما شفت الشاشة… دموعي نزلت، بس المرة دي ما كانتش دموع قهر ولا وجع، كانت دموع ذهول وخشوع لربنا.

أنا كنت حامل!

ربنا اللي حرمهم من السرقة والغدر، عوضني في الوقت اللي ما كنتش مستنية فيه أي حاجة. العوض جه من ربنا بعد ما صنت وصية أبويا، وما ظلمتش عيال أخويا رغم خيانة أمهم، وبعد ما طهرت حياتي من كل حد خاين وناقص.

يوم ما العيلة عرفت، البيت اتملى بالزغاريد والدموع من جديد، بس المرة دي كانت دموع فرحة. أمي سجدت على الأرض شكر، وإخواتي كانوا بيطيروا بي من الفرحة.

أما كريم، لما الخبر وصله عن طريق القرايب، عرف إن الخسارة اللي خسرها ما كانتش مجرد فلوس أو مركز… كريم خسر الست اللي صانته، وخسر الحلم اللي كان بيتحجج بيه عشان يخون.

النهارده، وأنا ماسكة ابني في حضني وببص من شباك مركزي، تأكدت إن ربنا ما بيسيبش حق حد، وإن الحق لما بيرجع، بيرجع كامل ومكتمل.. والحمد لله، أنا طلعت من المحنة دي أقوى، وبدأت حياتي الحقيقية مرفوعة الراس.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى