
خرجت من الأوضة الصاج وأنا بجرّ رجلي بالعافية، المطرة كانت لسه نازلة بغزارة، بس المية اللي نازلة من السَما ما كانتش قادرة تغسل الوساخة والقرف اللي حسيت بيهم جوة نفسي. ركبت عربيتي، قعدت ورا الدكسيون وأنا جسمي كله بيتفاض، بصيت في المراية الشباك وشفت وشي.. وش الراجل المغرور اللي كان فاكر إن الفلوس بتشتري الحقيقة، واليوم بس اكتشف إنه كان أكبر غبي ومغفل على وش الأرض.
مسكت الموبايل، وعينيا على الشاشة. صوابعي كانت بترتعش وأنا بفتح المحادثة بيني وبين أختي مريم. آخر رسالة منها كانت إمبارح بالليل: “يا علي حبيبي، بابا النهار ده كان مبسوط أوي في الجنينة، الدكتور بيقول تحسنه ممتاز، أدعي له يا حبيبي وربنا يخليك لينا وما يحرمناش من خيرك.”
قرأت الرسالة وأنا حاسس إن في سكين بتتقطع في مصاريني. يا الله على كمية الغل والتمثيل! إزاي واحدة من دمي، أختي اللي كبرت معايا وأكلك معاها في طبق واحد، تعمل في أبويا كدة؟ ترميه في الشارع وتسيبه يتأكل من قرح الفراش علشان كام مليون؟!
مسحت دموعي بقسوة، وافتكرت كلام ندى: “ارجع لبيتك وتصرف كأنك المغفل الأعمى.”
ضغطت على زرار الاتصال بمريم. جرس.. اتنين.. وثالث رنة ردت بصوتها الناعم اللي كان زمان بيريحني والدلوقتي بيجيب لي التقيؤ:
— «أهلاً يا علي حبيبي! إيه الأخبار؟ أنت خلصت اجتماعك؟»
بلعت ريقي بصعوبة، وحاولت أظبط نبرة صوتي علشان ما تبانش فيها الشك أو الغضب، طلعت صوتي مجهد ومطفي زي ما بكون متعود:
— «أيوه يا مريم.. خلصت. بقولك إيه، أنا كنت بفكر في الموضوع اللي كنا اتكلمنا فيه بتاع الدار ومصاريف بابا.»
— «ماله يا علي؟» صوتها اتغير سنة، بقى فيه حذر مفاجئ. «فيه حاجة ولا إيه؟ الدار كلموك؟»
— «لا لا خالص.. بس أنا حسيت إنك شايلة هم كبير أوي مع بابا، وأنا مسافر دمياط بكرة الصبح بدري أخلص شوية عقود في المعرض الرئيسي. كنت عايزك تجيلي المعرض على الساعة ١٢ الضهر كدة.. فيه أوراق عايزك توقعي عليها.»
— «أوراق إيه يا علي؟» سألت بلهفة حاولت تخبيها.
— «أنا قررت أتنازل لك عن ٢٠٪ من أسهم المعرض الرئيسي، كتابة وهبة مني ليكي.. تقديرًا للمجهود اللي بتعمليه مع بابا، وعشان أؤمن مستقبلك ومستقبل عيالك لو جرى لي حاجة.»
السكوت ساد على الخط لخمس ثواني كاملين. كنت حاسس بضربات قلبها الهربانة من الفرحة عبر الأثير. سمعت نفس طالع منها بسرعة قبل ما تتكلم بصوت بيترعش من الفرحة المزيفة:
— «ربنا يخليك ليا يا علي! أنت أخويا وسندي في الدنيا.. من غيرك إحنا ولا حاجة! خلاص يا حبيبي، الساعة ١٢ الضهر بالظبط هكون عندك في مكتب دمياط.. تحب أجيب معايا أي أوراق أو ختم الشركة القديم؟»
— «أيوه.. هاتي معاكي ختم الشركة والتوكيل العام اللي مع أختك، عشان نعمل كل حاجة مظبوطة عند المحامي بالمرة.»
— «من عينيا يا علي، من عينيا يا حبيبي.. توصل بالسلامة!»
قفلت الخط. حطيت رأسي على الدكسيون وصرخت بعلو صوتي.. صرخة مكتومة خنقتها جوة العربية. الحية أكلت الطُعم بسرعة أسهل مما كنت متوقع. الطمع كان عامي عينيها لدرجة إنها ما فكرتش دقيقة واحدة ليه القرار ده جه فجأة.
طول الطريق لدمياط، والليل بيمر عليا زي سنة كاملة. عينيا ما غمضتش لحظة. كل ما أغمض، أشوف أبويا وهو ماسك في جكيتي وبيترعش في الأوضة الصاج، وأشوف ندى وهي بتفرز الزبالة تحت المطرة. الفجر أذن وأنا داخل مدخل دمياط. المحلات لسه قافلة، والهدوء مالي الشوارع، بس جوة عقلي كان فيه حرب مولعة.
وصلت المعرض الرئيسي الساعة تسعة الصبح. المعرض كان عبارة عن قصر من أربع أدوار، مليان أفخم أنواع الموبيليا والأثاث اللي بيتصدر لبرة. تحفة معمارية أنا وأبويا بنيناها عرق بعرق، حجر بحجر. دخلت المكتب الخاص بيا في الدور الثاني، فتحت الخزنة، وطلعت الملفات القديمة.. الملفات اللي مريم اتهمت فيها ندى بالسرقة من تلات سنين.
قعدت أراجع الفواتير والتوقيعات بعين جديدة.. عين الراجل اللي انزاحت من على وشها الغشاوة. فعلاً! التوقيعات كانت تقليد رديء لتوقيع ندى، والختم المستخدم كان هو ختم الإدارة المالية اللي كان دايماً في عهدة مريم! إزاي كنت أعمى كدة؟ إزاي الغرور خلاني أصدق إن مراتي بتخونني وأختي هي الملاك الطاهر؟
الساعة تشاور على ١١:٣٠ الصبح. باب المكتب اتفتح بالراحة.
دخلت ندى!
كانت لابسة عباية سوداء قديمة بس نضيفة، وطرحة مشدودة بوقار. وشها كان شاحب، بس عينيها كانت مليانة ثبات يرعب أي حد يبص فيها. دخلت ومن غير ما تتكلم كلمة واحدة، قفلت الباب وراها بالترباس.
— «وصلتي إزاي؟» سألتها وأنا بقوم أقف احتراماً ليها من غير ما أحس.
— «جيت في عربية نقل خضار من الفجر..» ندى قالتها وهي بتبص حواليها في المكتب الفخم ببرود، «أبوك أمان في مكان مأمنه مع ست طيبة في الحارة، وماحدش يعرف مكانه. المهم دلوقتي.. هل كلمت مريم؟»
— «كلمتها، وجاية في السكة، وقالت إنها هتيجي على الساعة ١٢.»
— «وجوزها؟ أشرف المورد؟»
— «ما جابتش سيرته، بس أنا متأكد إنه مش هيسيب فرصة زي دي تفوته.. لازم يكون جاري وراها عشان يتأكد إن الأسهم اتنقلت باسمها فعلاً.»
ندى طلعت من شنطتها القماش الصغيرة ملف أوراق أصفر، متبهدل ومصفر من الرطوبة. حطته على المكتب قدامي:
— «ده ملف القضايا والتحويلات المالية بتاعة أشرف في الصعيد.. الراجل ده كان شغال في شركة توظيف أموال وهمية في أسيوط، وسرق أكتر من ١٥ مليون جنيه من أهالي قرى كاملة وهرب على القاهرة ودمياط بالبطاقة المزورة واسم “أشرف المورد”. الفلوس دي هي اللي بدأ بيها يشتري منك خشب بأسعار وهمية عشان يغسل الفلوس جوة حسابات معارضك!»




