
مسكت الورق وأنا مذهول: «أنتِ جبتي الورق ده منين يا ندى؟»
— «لما طردتني يا علي، أنا ما قعدتش أعوج وشي وأندب حظي.. أنا كنت عارفة إن أشرف ده وراه مصيبة، لأن شفته أكتر من مرة بيكلم ناس بأسلوب تهديد في التليفون. طوال التلات سنين اللي فاتوا، وأنا بشتغل في الشارع، كنت بجمع المعلومات خطوة خطوة، ولما لقيت أبوك في المصحة، الصورة كملت في دماغي.»
وفجأة.. سمعنا صوت خطوات كعب عالٍ برة في الصالة الرئيسية للمعرض، ومعاها صوت ضحكات رجالي متقطعة.
ندى شاورت لي بإيدها: «الضيف الكبير وصل.. ادخل استخبى جوة أوتار العرض اللي ورا المكتب، وما تطلعش إلا لما أدى لك الإشارة.»
— «استخبى؟» قلت باستغراب، «أنا صاحب المكان! إزاي أستخبى وهم داخلين مكتبي؟»
— «يا علي..» ندى قربت مني وبصت لي بحدة، «أنت لو واجهتهم دلوقتي بصفة صاحب المكان، مريم هتلعب على عاطفتك وأشرف هيهرب أو ينكر. سيبهم يفتكروا إن المكتب فاضي أو إنك مستنيهم برة، وخليهم ينطقوا بكل حاجة بلسانهم!»
ما كانش قدامي غير إن أصغي لكلامها. دخلت الغرفة الملحقة بالمكتب، وهي غرفة صغيرة بنحط فيها العينات والخرائط، وسبت الباب موارب سم واحد بس.
بعد دقيقتين بالظبط، باب المكتب اتفتح بقوة.
دخلت مريم، كانت لابسة أشيك هدوم عندها، ومسك أيدها “أشرف”.. الراجل اللي كنت فاكره مجرد مورد خشب بسيط وشريف! كان لابس بدلة غالية، وعلى وشهم ابتسامة النصر.
— «إيه ده؟ علي فين؟» مريم قالتها وهي بتبص حوالين المكتب باستغراب.
وفجأة، عينيها وقعت على ندى اللي كانت واقفة جنب الشباك، مدية ظهرها للباب ومكتفة إيديها.
مريم اتفاجأت، وشها أصفر لحظياً، وأشرف رجع خطوة لورا بدهشة.
— «أنتِ؟!» مريم صرخت وهي بتبص لندى بقرف وذهول، «أنتِ إزاي دخلتي هنا يا شحاتة؟ يا أمن! يا أمن المعرض! إزاي الزبالة دي تدخل مكتب رئيس مجلس الإدارة؟!»
ندى لفت ببطء شديد، وبصت لمريم وأشرف بنظرة هادية جداً، ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت:
— «اهدي على نفسك يا مريم.. الأمن مش هيسمعك، لأن علي مدي أفراده كلهم إجازة النهار ده عشان “الاجتماع العائلي المغلق”.»
أشرف اتدخل بغضب وهو بيقرب من ندى وبيشاور بصباعه في وشها:
— «أنتِ جاية تعملي إيه هنا يا بت أنتِ؟ مش علي طردك زي الكلبة من تلات سنين ورمى هدومك في الشارع؟ جاية تتسولي تاني ولا جاية تسرقي؟ اطلعي برة بدل ما أطلب لك الشرطة ألبسك قضية جديدة!»
ندى ما اتهزتش شعرة واحدة، مشيت بخطوات ثقيلة وقعدت على الكرسي الجلد الفخم بتاع علي، وحطت رجل على رجل:
— «الشرطة؟ فكرة حلوة يا أشرف.. أو يا “أحمد عبد التواب” عشان نقول الاسم اللي في بطاقتك الحقيقية بتاعة أسيوط؟»
أشرف يتشمد مكانه، الابتسامة اختفت تماماً من على وشه، وعينيه اتسعت برعب قاتل. مريم بصت له باستغراب:
— «أحمد مين؟ أنتِ بتقولي إيه يا مجنونة أنتِ؟»
ندى فتحت الملف الأصفر اللي على الترابيزة وقرأت منه بصوت عالي وواضح:
— «أحمد عبد التواب المنسي، الصادر ضده ٤ أحكام غيابية بالسجن المؤبد في قضايا اختلاس وتوظيف أموال وغسيل أموال في محافظة أسيوط عام ٢٠٢٢. الهارب والذي ينتحل صفة “أشرف المورد” بعقود مزورة.»
مريم بصت لأشرف بذهول وصوتها بدأ يترعش: «أشرف.. أنت بتكذب عليا؟ الكلام ده صح؟»
أشرف بلع ريقه بعنف، وبص لندى بغل مرعب، وطلع مطواة قرن غزال من جيب بدلتو الداخلية وفتحها بصوت زكة ترعب:
— «أنتِ عرفتي الكلام ده منين يا بنت الكلب؟ أنتِ فاكرة إنك لما تعرفي كلمتين هتهددينا؟ أنتِ هتموتي هنا النهار ده، وأنا ومريم هنخلص إجراءات تنازل الأسهم ونغور من البلد دي كلها!»
مريم حطت إيدها على بؤها برعب لما شفت السلاح، بس الطمع كان أكبر من خوفها، قربت من أشرف وقالت بصوت واطي بس مسموع:
— «اقفل الباب يا أشرف! ما تخليهاش تطلع برة بالورق ده! علي على وش وصول، لو شاف الورق ده كل حاجة ضاعت والأسهم مش هتوصل لينا!»
أشرف قرب من ندى والسلاح في إيده، وعينيه كلها دم ورغبة في القتل:
— «الورق ده ينحرق هنا، وأنتِ هتطلعي من هنا في كفن.. محدش هيسأل عن زبالة زيك بتلم بلاستيك تحت الكباري!»
ندى ما تحركتش من مكانها، ولا حتى رمشت، وبصت ناحية الأوضة المفتوحة سنة وقالت بصوت هادي:
— «سمعت يا علي؟ سمعت أختك النظيفة الشريفة وهي بتقول له يقفل الباب ويحرق الورق ويقتلني؟ سمعت أختك اللي كنت بتبعت لها ٣٥ ألف جنيه كل شهر عشان تسيب أبوك يموت في الزبالة؟»
في اللحظة دي.. أنا ما قدرتش أتمالك نفسي ثانية واحدة زيادة.
دفعت باب الأوضة الملحقة بقوة رهيبة خلت الخشب في الحيطة بصوت زي . طلعت وأنا زي الوحش الكاسر، عيوني مليانة دم وغضب وجنون.




