روايات وقصص

حكايات منى السيد 2

مريم صرخت صرخة هزت أركان المبنى أول ما شافتني طالع، وأشرف لف بسرعة في إيده وهو مبهوت.

— «عـ… علي؟!» مريم اتلجلجت وشها بقى أبيض زي القماش، «أنت.. أنت كنت هنا؟»

مشيت ناحيتها وأنا مش شايف قدامي. مسكتها من شعرها بقوة خلتها تصرخ وتوقع على ركبيها قدامي:

— «يا واطية! يا خاينة! يا اللي من دمي! أختي تفعل في أبويا كدة؟! تسيبيه في الزبالة وقرح الفراش واكلاه وتخدعي أخوكي وتسرقي شقى عمرنا علشان حتة هربان؟!»

أشرف هجم عليا بالمطواة وهو بيصرخ: «اوعى يا علي بدل ما أقتلك مع المتردية دي!»

لكن قبل ما المطواة توصل لصدري، باب المكتب الخارجي اتكسر وانفتح بالقوة!

دخل أربعة رجال أجسادهم ضخمة، لابس بدلات سوداء وشكلهم يرعب، يقودهم راجل كبير في السن، شعره أبيض، ويمشي على عصا بوقار شديد، وعينيه فيها قسوة الصعيد كلها.

الراجل الكبير بص لأشرف المصدوم، وهز عصايته في الأرض بقوة خلت الرخام يرن:

— «أهلاً يا أحمد يا عبد التواب.. بقالك أربع سنين هربان بفلوس اليتامى والأرامل بتوع أسيوط وفاكر إنك استخبيت في دمياط؟»

أشرف المطواة وقعت من إيده على الأرض، ورجليه اتسحبت منها القوة ووقع على الأرض وهو بيرتعش برعب حقيقي:

— «الحاج متولي؟!.. أنتم.. أنتم وصلتم لي إزاي؟!»

الراجل الكبير (الحاج متولي) بص لندى وهز رأسه بامتنان واعتزاز:

— «وصلنا لك بفضل الست الأصيلة دي.. الست اللي جابت لنا حقنا وحقك، وجابت لنا مكانك بالظبط عشان ناخد تارنا ونرجع فلوس الناس اللي أنت سرقتها!»

مريم كانت بتصرخ وتعيط على الأرض، ومسكت في رجلي وأنا بزقها بجزمتي بكل قسوة وشمئزاز:

— «علي! أرجوك يا علي سامحني! هو اللي غواني! هو اللي ضحك عليا وقال لي هنعمل ملايين ونهرب! أرجوك يا علي أنا أختك!»

— «أنتِ مش أختي..» قلتها وصوتي طالع من قاع جهنم، «أنتِ وحدة خاينة مالكيش أصل ولا دين.. وأبويا اللي رميتيه في الزبالة هو اللي يحكم عليكي، مش أنا!»

الحاج متولي شاورت لرجالتهم، وفي ثواني كانوا ماسكين أشرف من رقابته زي الكلب، وبدأت أصوات سيارات الشرطة ترن في الشارع برة المعرض.. ندى كانت مبلّغة النيابة العامة ومباحث الأموال العامة بالتنسيق مع أهالي أسيوط، وكل حاجة كانت متخطط لها بالمسطرة!

الشرطة دخلت المكتب، وكلبشوا أشرف ومريم اللي كانت بتصرخ وتستغيث، وأخدوا أوراق العقود المزورة والملفات كلها.

لما المكتب فضي، وما بقاش فيه غيري أنا وندى..

قعدت على الأرض، حطيت وشي بين إيديا وبكيت.. بكيت بكسرة قلب وندم ما يعلم بيه إلا ربنا.

رفعت رأسي بصيت لندى اللي كانت واقفة جنب الشباك بتبص على سيارات الشرطة وهي ماشية.

— «ندى..» قلتها ونبرة صوتي راجية ومكسورة، «كل حاجة رجعت.. الحقيقة ظهرت، والمعارض وأملاكي كلها تحت رجليكي.. أرجوكي يا ندى، تعالي نرجع، تعالي نعوض أبويا عن اللي شافه، ونبدأ من جديد.. أنا مستعد أكتب لك نص المعارض دي باسمك النهار ده قبل بكرة!»

ندى لفت بصت لي.. النظرة دي هي اللي قطعت أملي الأخير.

ابتسمت ابتسامة هادية جداً، ابتسامة حد تحرر من كل قيد وكل وجع، وقالت بصوت رايق وثابت:

— «أنا عملت كدة عشان حق الحاج فاروق، وعشان أثبت لنفسي وللقاهرة كلها إن بنت الشوارع اللي أنت رديت عليها المتين جنيه، أنضف وأشرف من كل ملايينك.. لكن نرجع؟ لا يا علي.»

قربت خطوات من الباب، ولفت بصت لي للمرة الأخيرة:

— «اللي اتكسر بيننا ما يتصلحش بملايين ولا بأسهم.. الفلوس تقلك وتكبرك في عين الناس، بس ما تعملكش كرامة يا علي. أنا راجعة عند الحاج فاروق، هاخده وأعيش بيه في بيت صغير من شقيا الحلال.. وأنت.. خلي الملايين بتاعتك تنفعك وتشتري لك راحة البال والنوم اللي حرمت نفسك منهم.»

وسابتني ومشيت..

فضلت قاعد في المكتب الفخم الواسع، بين الموبيليا الغالية والأفخم في مصر، بس حسيت إن المكان أفضى وأبرد من الأوضة الصاج اللي تحت الكوبري. حسيت لأول مرة إن المتين جنيه اللي كانت في جايبي، فعلاً ما قدرتش تشتري لي ولا ذرة واحدة من راحة البال.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى