
حكايات مني السيد حصري
عقبال الليلة الكبيرة يا عريس ربنا يعوضك باللي تصونك وتجيبلك الولد اللي اتحرمت منه.
جيت فرح أخوه وأنا فاكرة إني جاية أفرح بيهم
وقفت من بعيد مصدومة، وأنا بسمعهم بيباركوا لجوزي على جوازته التانية، واكتشفت إني كنت آخر واحدة تعرف إنهم جايبين عروسة بدالي.
كان يوم فرح أخوه، والبيت من الصبح مقلوب فوق تحت.
زغاريد، حركة، ناس داخلة وناس خارجة، وكل واحد بيجهز نفسه عشان يلحق الفرح.
وسط كل الدوشة دي، خرج جوزي من أوضته لابس بدلته الجديدة، متشيك على سنجة عشرة، وريحة البرفان مالية المكان.
بصلي وأنا واقفة بجلابيتي، وقال بمنتهى البرود
متتعبيش نفسك يا نور وتنزلي. القاعة زحمة، وأمي عازمة ناس كتير، وإنتِ ملكيش في الدوشة دي. خلصي اللي وراكي في البيت واستنيني.
سكت.
بلعت كلامه جوايا، زي ما بلعت حاجات كتير قبله.
بس وأنا بتابعه وهو خارج، افتكرت الخمس سنين اللي فاتوا.
خمس سنين من الجواز، كنت فيهم مراته قدام الناس، لكن جوه البيت كنت شايلة كل حاجة على كتافي.
شيلت أمه في مرضها، وخدمتها بإيدي، ووقفت جنب أخوه في جهازه، واستحملت فقرهم وبخلهم، وحتى جفافهم وقلة تقديرهم.
كنت دايمًا بقول لنفسي إن كل ده هيهون، وإن العِشرة في يوم هتخلّيهم يعرفوا قيمتي.
خصوصًا إني عمري ما نسيت وقفة جوزي معايا ومع أهلي وقت مرض أبويا.
كنت شايفة إن ده جميل في رقبتي،
وكنت برده بالحب والصبر والوقفة.
لكن قبل الفرح بكام يوم، سمعت أمه بالصدفة وهي بتتكلم معاه في التليفون
المهم نور متشمش خبر… مش عايزين شوشرة لحد ما الموضوع يتم على خير.
الجملة فضلت ترن في ودني.
ولما سألته، اتعصب في وشي وقال
دي تفاصيل تخص مصاريف القاعة، وبلاش تدخلي نفسك في حاجات ملهاش لازمة.
حاولت أصدقه.
أو يمكن كنت خايفة أصدق إحساسي.
لكن بعد ما نزل من البيت بساعتين، حسيت بنغزة قوية في قلبي.
إحساس غريب قال لي إن في حاجة بتحصل من ورا ضهري.
المرة دي، قررت أسمع إحساسي.
ملبستش فستان.
ولا حطيت مكياج.
لبست عباية سودا بسيطة، وطرحة عادية، وخدت تاكسي على عنوان القاعة اللي كنت لمحت اسمها بالصدفة على كارت وقع من جيبه قبلها بأيام.
وصلت.
دخلت من الباب الخلفي بهدوء، ووقفت في أبعد ركن في القاعة.
كنت مستخبية في الضلمة، ببص على الناس من بعيد.
المعازيم بيضحكوا.
الزغاريد مالية المكان.
وأخوه قاعد جنب عروسته على الكوشة.
في البداية، افتكرت إني كنت بظلمه.
قلت يمكن مفيش حاجة.
يمكن فعلًا الموضوع زي ما قال.
لحد ما عيني وقعت على التربيزة الرئيسية في صدر القاعة.
وقتها…
الدنيا وقفت.
كان جوزي قاعد هناك.
لابس بدلته الجديدة، مبتسم ومرتاح، وجنبه أمه وهي بتزغرط وعينيها بتلمع من الفرحة.
لكن اللي جمبه كانت هي الصدمة الحقيقية.
بنت خالته المطلقة.
لابسة فستان سهرة، ومتزينة كأنها عروسة، وإيدها في إيد حماتي.
فضلت واقفة مكاني مش فاهمة.
لحد ما سمعت واحد من المعازيم بيقول بصوت عالي
عقبال الليلة الكبيرة يا عريس!
وضِحكة اتبعتها جملة خلت الدم يتجمد في عروقي
ربنا يعوضك باللي تصونك وتجيبلك الولد اللي اتحرمت منه.
اتصدمت.
جيت فرح أخوه…
فاكتشفت إن جوزي هو العريس اللي بيتبارك له.
جوزي كان بيجهز جوازته التانية وأنا آخر واحدة تعرف.
بصيت عليه وأنا مش مصدقة اللي شايفاه.
كان بيضحك، وبيوزع الشربات بنفسه، وبكل أريحية مال على بنت خالته وباس راسها.
وعلى نفس التربيزة…
كان المأذون قاعد.
بيكتب كتاب أخوه، ومستني يخلص عشان يبدأ إجراءات جواز جوزي من واحدة تانية.
ساعتها كل حاجة ركبت في بعضها.
فهمت معنى كلام أمه.
وفهمت ليه كان مصر إني ماجيش.
وفهمت ليه كانوا بيخفوا عني كل حاجة.
هما مكنوش بس مخبيين جوازته.
هما كانوا مجهزين حكاية كاملة للناس.
مفهمينهم إني مريضة.
وإني مبخلفش.
وإن جوزي مضطر يتجوز واحدة تانية.
وإن أنا موافقة على الجواز وقاعدة في بيتي راضية.
كانوا عايزين يعملوا كل ده من ورا ضهري، من غير حتى ما يدوني فرصة أتكلم.
رجلي مكنتش شيلاني.
وقلبي كان بيتقطع.
لكن الغريب إني مروحتش أصرخ.
ولا عملت خناقة.
ولا حتى سمحت لدمعة تنزل.
خدت نفس طويل…
وطلعت من مكاني.
مشيت ناحيتهم خطوة…
وبعدها خطوة تانية…
لحد ما بقيت واقفة قدام التربيزة الرئيسية بالظبط.
أول ما عينه وقعت في عيني…
وشه اتقلب.
الضحكة اختفت من على شفايفه.
ولونه بقى أبيض.
الكوباية اللي كانت في إيده وقعت على الأرض واتكسرت، والشربات اندلق على بدلته الجديدة.
أمه شهقت، وبصتلي برعب.
أما بنت خالته، فسحبت إيدها بسرعة وبصت في الأرض.
وفجأة…
القاعة كلها سكتت.
الزغاريد وقفت.
والضحك اختفى.
وكل العيون اتوجهت ناحيتي.
وأنا فضلت واقفة قدامهم بهدوء.
بعد خمس سنين من الصبر…
اكتشفت إنهم كانوا بيجهزوا عروسة بدالي.
لكنهم ارتكبوا غلطة واحدة بس…
إنهم كانوا فاكرين إني هفضل ساكتة.
لأن المرة دي…أنا اللي دخلت عليهم في اللحظة اللي كانوا فاكرين فيها إن كل حاجة خلصت.
صوت الإزاز وهو بيتكسر كان أعلى حاجة في القاعة.
الشربات الأحمر سال على البلاط الرخام، وساب بقعة فاقعة على طرف بنطلون بدلته الكحلي الجديدة.
كل همسة، كل ضحكة، وحتى صوت المازيكا اللي كانت شغالة من بعيد، فجأة اتكتموا كأن شريط الفرح اتقطع بسكينة تلمة.
حسام فضل واقف متخشب، إيده اللي كانت ماسكة الكوباية لسه معلقة في الهوا، وعينيه مبرقة في وشي، مش قادر يستوعب إني واقفة بلحمي ودمي قدامه.
لونه كان بيهرب منه بالتدريج، شفايفه نشفت، وحنجرته طلعت صوت مهزوز كأنه طالع من بير غريق
ن… نور؟!
نطق اسمي وكأنه لعنة حلت عليه.
أنا مكنتش بتحرك. فضلت مثبتة عيني في عينيه، أوزن نظراته اللي كانت بتنط ما بين الرعب والذهول، ومكنش في قلبي في اللحظة دي أي نبض خوف.



