
الجزء الثالث والأخير
الكلمة نزلت زي الصدمة في هدوء الليل.
العمارة كلها كأنها سكتت على الصوت، وأحمد وقف بينه وبين أخوه إبراهيم، ونزل إيده المرفوعة بثبات وصرامة.
أحمد بص لإبراهيم في عينه وقال له بصوت واطي، لكن حاسم:
“نزل إيدك يا إبراهيم، وما تعليش صوتك في بيتي، ولا تشير بإيدك في وش مراتي.”
إبراهيم كان متوتر جدًا، وبص لمراته شيماء ورجع بص لأحمد وقال بعصبية:
“إنت مش عارف مراتك قالت لها إيه إمبارح؟! بتقولها إنتي جاية تاكلي وتشربي وتتفرجي! بتقول لمراتي كلام يضايقها! ده كلام يتقال لمرات أخوك الصغير؟! هي زعلتها قدام أمك، ومراتي طالعة متضايقة وبتقولي مش هاجي البيت ده تاني إلا لما مريم تعتذرلي!”
ساعتها أنا ماقدرتش أقف ساكتة وأشوف الكلام بيتقال قدام جوزي من غير توضيح.
خطوت خطوة بثبات، وقفت جنب أحمد وقلت بصوت واضح:
“أنا ما قلتش لشيماء الكلام اللي إنت بتقوله يا إبراهيم! وما ينفعش تنسب لي كلام ما قلتوش.”
“أنا قلت لها: لما تكوني قايلة من أول يوم إنك مش داخلة في نظام بيت العيلة ومش هتساعدي، يبقى ما تنزليش كل جمعة وتقعدي، وأنا أكون بتعب وأطبخ وأنضف البيت والسلم. ولما أعتذر يوم وأقول إني تعبانة ومجهزة أكل لعيالي وفوق، تيجي تنادي عليا وتسألني قاعدة ليه وما طبختش وما نضفتش!”
“هي شيماء مسؤولة عني؟ ولا أنا مطالبة أشرح لها أنا نزلت ولا ما نزلتش؟”
شيماء اتدخلت بسرعة وبصوت متوتر، ومسكت في دراع جوزها إبراهيم:
“شايف يا إبراهيم؟ شايف بتبص لي إزاي وبتتكلم معايا إزاي؟! هي فاكرة نفسها كبيرة البيت عشان اتجوزت أحمد قبلك! أنا مش مطالبة أخدم عندها ولا عند حد، وأنا لما نزلت يوم الجمعة كنت نازلة لبيت حمايا وحماتي، مش عشان أستأذن منها!”
أحمد بص لشيماء نظرة خلتها تسكت وتتراجع خطوة، وقال لها بجدية:
“بس يا شيماء. محدش طلب منك تكوني مطالبة بخدمة حد، ولا حد أجبرك تساعدي في حاجة. لكن كمان محدش يسمحلك تنادي على مريم من السلم وتسأليها نزلت ولا لأ، طبخت ولا لأ، ونضفت ولا لأ.”
“هي مريم مسؤولة عندك؟ مريم بقالها تسع سنين بتساعد البيت ده بكل حب، وما شفتش منك كلمة تقدير من يوم ما دخلتي البيت.”
إبراهيم اتفاجئ من رد فعل أحمد الحاسم.
إبراهيم طول عمره متعود إن أحمد هو الأخ الكبير الهادي، اللي بيحاول يحافظ على الهدوء ويعدي الأمور.
بص إبراهيم لأحمد بدهشة وقال:
“يعني إنت يا أحمد شايف إن مراتك عندها حق؟ وواقف مع مراتك ضد أخوك؟”
رد عليه أحمد بثبات:
“أنا مع الحق يا إبراهيم، والحق ما يزعلش حد.”
“لما سلفتك الكبيرة كانت هنا، كانوا إيد واحدة. دي تطبخ ودي تنضف، دي تتعب ودي تساعدها، وعمرنا ما سمعنا بينهم مشكلة.”
“لما إنت اتجوزت، شيماء قالت من أول أسبوع: أنا ماليش دعوة بنظام بيت العيلة ومش هساعد. ومريم قالت لها براحتك يا حبيبتي، كل واحدة على راحتها. محدش أجبرها على حاجة ولا حد زعل منها.”
“إيه اللي يخلي شيماء النهاردة تتدخل في نزول مريم أو قعادها في شقتها؟ وإيه اللي يخليها تحاسبها على حاجة مش من مسؤوليتها؟”
إبراهيم سكت لحظة، وبص لمراته شيماء بنظرة فيها مراجعة ودهشة، وكأنه بدأ يفهم إن الصورة اللي وصلته كانت ناقصة ومختلفة عن الحقيقة.
شيماء حسّت إن موقفها بيضعف، ولجلجت في الكلام وقالت:
“أنا… أنا كنت فاكرة إن طالما مريم بتنزل كل جمعة، تبقى هي المسؤولة عن المطبخ وتنضيف السلم والمكان، فقلت أفكرها عادي!”
رديت عليها بمنتهى الثقة، وأنا حاطة إيدي في إيد جوزي:
“لأ يا شيماء، أنا مش مسؤولة عن حد. أنا كنت بنزل أساعد حماتي وحمايا لأنهم في مقام أمي وأبويا، ولأنهم كبار في السن، وكنت بعمل ده بحب وطيب خاطر.”
“ما كنتش بنزل عشان أخدمك إنتي، ولا عشان أعمل كل حاجة وإنتي تقعدي مرتاحة وبعدها تحاسبيني!”
وفي وسط الكلام، سمعنا صوت خطوات عصاية على السلم ببطء وثقل.
كانت عصاية الحاج، حمايا.
الراجل الكبير اللي نادرًا ما كان بيتدخل في مشاكل البيت، ولا بيحب ينزل من شقته في وقت متأخر.
كان ماسك عصايته ونازل على السلم ببطء، وحماتي ماشية جنبه ومساعداه، وبتبص للأرض من شدة الإحراج.
أول ما شفنا الحاج، الكل سكت.
وقف الحاج على باب الشقة، وبص لإبراهيم، وبعدين بص لأحمد، ورجع بص لشيماء وليا.
سعل سُعالة خفيفة، وقال بصوت هادي لكن فيه هيبة:
“إيه الكلام العالي ده اللي واصل لحد الشارع؟ إنتوا كبرتوا في السن ولا صغرتوا في العقل؟ إخوات مختلفين مع بعض في نص الليل عشان موضوع بيت؟”
إبراهيم نزل رأسه للأرض وقال:
“يا أبا، الموضوع بس إن…”
الحاج رفع عصايته شوية وقال بحزم:
“اسكت يا إبراهيم، ما تنطقش كلمة دلوقتي.”
وبعدين التفت لحماتي وقال لها بصوت فيه عتاب:
“إنتي السبب يا أم أحمد. إنتي اللي سيبتي الأمور تكبر من الأول. لما مريم كانت بتشيل وتتعب، كنتي فاكرة إن ده شيء مضمون، لحد ما الولاد بقوا مختلفين مع بعض بسبب مين يعمل ومين يساعد.”
حماتي نكست رأسها وما قدرتش ترد بكلمة.
الحاج التفت ليا، وبصلي بنظرة حنونة جدًا، زي أب بيطمن بنته، وقال:
“تعالي يا مريم يا بنتي، قربي.”
قربت منه ونزلت راسي احترامًا له وتقديرًا لكبر سنه.
الحاج حط إيده على رأسي وقال بحنية:
“إنتي بنت أصول يا مريم، وعمرك ما قصرتي معانا في حاجة. تسع سنين وإنتي بتساعدينا من غير ما نسمع منك كلمة تضايقنا.”
“حقك عليا أنا يا بنتي، لو حد ضايقك أو حسسك إن تعبك وطيبتك دول فرض عليكي، أو إنك مطالبة تخدمي البيت كله.”
دموعي نزلت من عيني من غير ما أحس.
كلام الراجل الكبير وموقفه مسح جزء كبير من التعب اللي كان جوايا من وقت الخلاف.
كمل الحاج كلامه، وبص لإبراهيم وشيماء بصوت حاسم:



