عام

حكايات اسما السيد 2

نزلت على السلم وأنا سانده على حسن أخويا، رجليا ما كانتش شايلاني، والصوت العالي والصراخ بين محمود وسامية جوه الشقة كان لسه يرن في وداني. الشارع كان ساكت تمامًا، والتنفس برا البيت كان زي هوا جديد يدخل صدري لأول مرة من 12 سنة. حسن فتح لي باب العربية، ركبت وقفل الباب بهدوء، وركب جنبي وساق من غير ما ينطق ولا كلمة، كان عارف إن أي  في اللحظة دي مالهاش قيمة، وإن  أكبر من أي كلام.

أول ما وصلنا بيت أهلي، أمي كانت قاعدة في الصالة مستنية، عيونها كانت مليانة قلق وكأن قلبها حاسس. أول ما شافتني داخلة بشنطة هدومي وحسن ماسك إيدي، وقفت ومسكت في صدرها وسألت بلهفة: “في إيه يا حسن؟ سارة مالها؟ محمود عمل إيه؟” حسن بص لها بجمود وقال: “محمود انتهى يا أمي.. وسارة رجعت بيتها العزيز المكرم، ومش هتعتب العتبة دي تاني.” أمي ، وفي اللحظة دي بس، كل الدموع اللي كانت  جوايا ، بكيت بعلو صوتي على السنين اللي ضاعت، على ثقتي اللي ، وعلى الست العجوزة اللي كنت بداري عليها بلاوي جوزها عشان ما أقلقهاش.

عدت ليلتها عليا زي الكابوس، مش عارفة أغمد عيني. كل ما أغمض، أفتكر منظر محمود وهو بيحط هدومي في الشنطة ببرود، وصوت سامية وهي بتقول “أنا جيت يا حبيبي”. لكن الصبح بدري، بدأت الأحداث تتسارع بشكل ما حدش فينا كان متوقعه.

الساعة كانت حوالي تمانية الصبح، جرس الباب رن بقوة وبشكل متواصل. حسن قام فتح، ولقينا المحامي بتاع عيلتنا واقف وشكله متوتر جداً. دخل بسرعة وقال: “يا حسن، الكلام اللي حكيتهولي امبارح بليل بدأ يتنفذ فعلياً.. الشرطة تحركت بناءً على البلاغ الصباحي وتقديم أوراق وفي قوة من المباحث راحت دلوقتي على  محمود!”

حسن بصلة بصلابة وقال: “وهي دي النتيجة الطبيعية لكل واحد فاكر إن حبل الكدب طويل.”

لكن المحامي كمل بكلام خلاني أقف في مكاني من : “المشكلة مش هنا يا حسن.. المشكلة إن سامية لما حست إن الخناق بيضيق عليها، ومحمود حاول يرمي التهمة كلها عليها قدام الجيران والشرطة لما وصلت، سامية طلعت من شنطتها أوراق ثانية خالص كانت مخبياها.. أوراق بتثبت إن محمود ما كانش بس بيختلس من الشركة، ده كان بيستخدم اسمك يا حسن في عمليات غسيل أموال وإيصالات أمانة مزورة بأسماء ناس ثانية، والورق ده فيه توقيعات باسمك أنت كمان!”

أنا صرخت: “حسن مالوش دعوة! حسن هو اللي انكشف السر بسببه، إزاي يتورط؟”

المحامي رد: “سامية كانت مجهزة نفسها للرحاية دي من زمان.. هي عارفة إن محمود غدار، فكانت ماسكة عليه الأدلة دي، ولما حسّت إنه بيبيعها، قررت تحرق الكل، وحطت حسن في النص عشان تضغط عليه يسحب البلاغ القديم.”

في اللحظة دي، تلفون حسن رن. كان رقم غريب. حسن فتح السبيكر عشان كلنا نسمع، وجانا صوت محمود.. بس المرة دي ما كانش الصوت البارد المستبد، كان صوت راجل مرعوب، نبرته متقطعة وفيها أنين: “حسن.. الحقني يا حسن! سامية ورطتني وورطتك معاك! البوليس بياخدني دلوقتي، وسامية بتقول لو ما تتنازلش عن قضايا التزوير والاختلاس، هتقدم إيصالات الأمانة المتبصمة باسمك للنيابة وتوديك  معايا!”

حسن مسك التلفون وبثبات رهيب رد عليه: “أنت فاكر إن  ده يرهبني يا محمود؟ أنا مستعد أدخل السجن وأثبت براءتي بالقانون والمطابقة الخطية، لكن أنت وسامية خلاص.. اللعبة انتهت. والبيت اللي طردت أختي منه ببرود، هتشوفه من ورا القضبان.”

محمود صرخ بانهيار قبل ما الخط يقطع: “أنا عملت كل ده عشانكم! أنتم اللي اضطرتوني!” والخط اتفصل، وصوت سرينات عربيات الشرطة كان مسموع بوضوح في خلفية المكالمة من تحت العمارة.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى