
رجعت بلدي بعد عشر سنين غربة، وأول ما دخلت البيت سمعت مرات أخويا بتقول لأمي: «كلي تحت، الضيوف اللي فوق ناس مهمة»… طلعت لقيت السفرة مليانة أكل غالي، ونزلت لقيت أمي قدام طبق أكل بايت ورغيفين ناشفين.
أخويا حاول يبرر اللي حصل، لكني طلعت موبايلي وعملت مكالمة واحدة وقلت: «اعرضوا البيت للبيع»… وما كانش حد فيهم يعرف إن تسجيل مستخبي إن اللي حصل لأمي ما كانش وليد الليلة دي.
— يا أمي، معلش كلي في المطبخ. السفرة دي معمولة لنادية وأهلها.
الجملة دي كانت أول حاجة سمعتها وأنا داخل البيت اللي أنا دفعت تمنه حتة حتة، بعد عشر سنين شغل وغربة في الخليج.
وقفت على باب الشقة وأنا ماسك شنطتي، ومش فاهم أنا بسمع إيه.
بصيت ناحية السفرة.
كانت متبهدلة من كتر الأكل. صواني محشي، وفراخ، ولحمة، ورز، وسلطة، وحلويات، ومشروبات ساقعة. نادية، مرات أخويا، كانت قاعدة وسط أهلها وإخواتها، بتضحك وتهزر وكأن البيت بيتهم.
أما أمي، الحاجة زينب، فكانت قاعدة لوحدها في المطبخ.
قدامها طبق فول بارد من اللي فاضل من الفطار، ورغيفين عيش ناشفين، وكوباية ميه.
بصيتلها وقلت:
— أمي؟ إنتِ بتاكلي هنا ليه؟
أول ما شافتني، قامت بسرعة وخبت الطبق بإيديها، كأنها خايفة أزعل منها.
— سيد… يا حبيبي، إنت جيت إمتى؟ أنا كويسة يا ابني، ما تعملش مشاكل.
قبل ما أقول حاجة، أخويا الصغير سامح نزل من الصالة.
— إيه يا سيد؟ لسه داخل وهتعمل مشكلة؟ أمي أصلًا مش بتحب الأكل ده، وبعدين هي بتحب تقعد هنا لوحدها.
بصيت لأمي.
— إنتِ قوليلي يا أمي… إنتِ اللي اخترتي تقعدي هنا؟
أمي بصت في الأرض وما ردتش.
وفجأة سمعت صوت نادية من ورايا:
— إنت غايب بقالك عشر سنين يا سيد. إحنا اللي كنا موجودين معاها طول الوقت. ما ترجعش دلوقتي تعمل فيها الابن البار عشان كنت بتبعت شوية فلوس.
بصيتلها.
— شوية فلوس؟
حسيت إن دمي بيغلي.
— أنا بنيت البيت ده عشان أمي.
نادية ضحكت باستهانة.
— ماشي يا سيدي. ولو إحنا مش موجودين، مين كان هيقف جنبها ويخدمها؟
بصيت للسفرة اللي عليها كل الأكل ده.
وبعدين بصيت لطبق الفول البارد اللي قدام أمي.
طول تلات سنين، كنت كل شهر أحوّل لسامح تمن تلاف جنيه عشان مصاريف أمي، غير فلوس الدوا، وأي تصليحات في البيت، وأي ظرف يحصل.
تمنتاشر ألف؟ لأ.
أنا كنت ببعت أكتر من كده بكتير.
مديت إيدي على موبايلي واتصلت بالمحامي بتاعي، عمرو.
— عمرو، عايزك تراجعلي ورق البيت كله. عقد الملكية والتسجيل وكل حاجة. ولو البيت لسه باسمي، عايز أبدأ إجراءات بيعه.
وش سامح اتغير.
— إنت اتجننت؟ هتبيع البيت وتطردنا عشان كام طبق أكل؟
بصيتله في عينه.
— لأ يا سامح. البيت ما خربش بسبب الأكل.
وسكت لحظة.
— البيت خرب يوم ما أمي بقى مالهاش مكان على سفرتها.
أمي بدأت تعيط.
— يا ابني والنبي ما تعمل كده. أخوك ومراته هيعيشوا فين؟
السؤال ده وجعني أكتر من كلام نادية.
بصيت لأمي وقلت:
— يا أمي… إنتِ الوحيدة هنا اللي مش لاقية مكان تعيشي فيه.
طلعت من المطبخ وروحت على طول لأوضة أمي.
الأوضة دي أنا كنت عاملها مخصوص ليها.
سرير كبير، دولاب، تسريحة، وشباك كبير بيطل على الجنينة الصغيرة اللي ورا البيت.
فتحت الباب…
وقفت مكاني.
الأوضة ما بقتش أوضة أمي.
كانت مليانة كراتين، وشنط، وحاجات نادية، وكرتين أكل، وأدوات مطبخ، وحاجات متكومة فوق بعض.
سامح وقف ورايا وقال:
— ما إحنا بنحط الحاجات هنا مؤقتًا. وبعدين أمي قالتلنا إنها مش محتاجة .
الكاتبه_نرمين_عادل_همام




