
استمر ذهول سامح ونادية ثواني معدودة، قبل ما نادية تصرخ في أبوشها بصوت هستيري:
— أنت بتعمل إيه يا بابا؟ بتشتري البيت عشان تكتبه للست دي؟ أنت جاي تقف ضد بنتك وصهرك عشان واحد غريب راجع من الخليج يفرد عضلاته علينا؟
أبوها الحاج عبد الجواد بصلها بقرف، ونبرة صوته كانت أتقل من جبل:
— الغريب ده هو اللي كان بيأكلكم وبيستركم يا هانم! الغريب ده هو اللي عرق عشر سنين عشان يعمل ليكي ولجوزك بيت يعيّلكم! والست اللي أنتِ رميتِها جنب الغسالة دي، أطهر منك ومن الفلوس اللي دخلت بطنك من عرق ابنها! أنا ما اشتريتش البيت عشان أكسر جوزك، أنا اشتريته عشان أشتري لحمي من الفضيحة أمام ربنا وأمام الناس!
سامح قام من على الكرسي وجرى على إيد الحاج عبد الجواد يبوسها وهو بينتحب:
— يا عمي الحاج.. والنبي بلاش تعملوا فيا كده، أنا ابنك، ونادية بنتك وعيالنا ملهمش حتة يروحوها! سيد أخويا.. وحياة أبونا اسمعني!
قربت من سامح، وزقيت إيده بعيد عن حماها ببرود تام:
— بلاش تمثيل الدموع ده يا سامح. أنت ما افتكرتش أبونا لما كنت بتسمع أمك بتعيط من البرد في الأوضة الضيقة وتسيبها. ما افتكرتش إني أخوك وأنا بحولك الفلوس شهر بشهر وأنت بتاخدها تفسح بيها مراتك وعيالك وأمك مش لاقية دوا الضغط. أنت مش زعلان إنك ظلمت، أنت زعلان إن السكينة اتسحبت من إيدك.
المحامي عمرو طلع عقود جديدة من شنطته وحطها على السفرة جنب باقي الأكل البايت:
— أستاذ سامح، المدة المحددة للإخلاء تبدأ من دقيقة تسليم الإخطار. الحاج عبد الجواد دفع العربون وسدد القيمة لسيد، والبيت حالياً تحت الحراسة القانونية لحين نقل الملكية الكاملة للحاجة زينب. أمامكم بالضبط 24 ساعة عشان تلموا هدومكم وحاجاتكم الشخصية فقط.. أي حاجة تانية في البيت من أثاث وأجهزة هي ملكية أصلية موثقة بفواتير باسم السيد سيد، وأي تلفيات هيتم تحرير محضر بها فوراً.
نادية جريت على أوضة النوم وقفلت الباب وراها برزع هزت الحيطان، وصوت صريخها وعياطها بدأ يطلع من جوة. أهلها بصلها بحسرة، وأبوها بص لإخواتها وقالهم بصرامة:
— ادخلوا جوة لموا حاجتها وحاجة عيالها.. البيت ده ما يدخلوش تاني، ومن بكرة نادية وعيالها هيقعدوا في بيتي تحت جزمتي، وسامح يدوّر له على شقة إيجار على قد قرشه، لو عرف يبقى راجل ويصرف على بيته من غير عرق أخوه!
خرجت من البيت وأنا حاسس بغصة في حلقي، رغم إني أخدت حق أمي، بس مرارة الخيانة من الأخ مالهاش دوا.
رجعت الفندق. أول ما فتحت باب الجناح، لقيت أمي قاعدة على الكنبة، لابسة جلابيتها النظيفة، ومسكة سبحتها وبتردد أذكارها. أول ما شافتني ابتسمت، بس لما لمحت ملامح وشي المجهدة، قامت وقربت مني بخطوات بطيئة:
— سيد.. عملت إيه يا ابني؟ أخوك جرى له حاجة؟
قعدت على الأرض قدامها وحطيت راسي في حضنها، زي ما كنت بعمل وأنا عيل صغير:
— البيت رجعلك يا أمي.. بكرة هترجعي بيتك، بس المرة دي هتبقي أنتِ صاحبة البيت، وما فيش حد هيقدر يرفع عينه فيكِ أو يقولك كلي في المطبخ.
أمي حطت إيدها على راسي وبدأت تطبطب عليا، ودموعها نزلت على شعري:
— يا ابني أنا مش عايزة بيوت ولا عايزة سفرة مليانة أكل.. أنا كنت عايزاكم جمبي إيد واحدة. سامح أخوك يا سيد.. طايش ونادية ضاحكة عليه، بلاش تخليه يترجم في الشوارع.
رفعت راسي وبصيت في عينها:
— أمي.. سامح ما كانش طايش، سامح كان شايف وساكت، وكان بياخد فلوس دواكي يصرفها على فسحه. لو سامحتيه بكرة هيعمل فيكِ أكتر من كده. سامح محتاج يتربى من جديد، محتاج يعرف إن القرش بيجي بالشقا مش بالنصب على أمه وأخوه.
سكتت أمي وما ردتش، بس كانت بتتنهد بوجع.
تاني يوم الصبح، الساعة كانت عشرة. أخدت أمي في العربية ورجعنا على المنطقة. الشارع كان زحمة، وناس كتير من أهالي المنطقة كانوا واقفين قدام البيت بيتهامسوا. الخبر كان انتشر زي النار في الهشيم: «سيد طرد أخوه ومراته بعد ما اكتشف إنهم بيعاملوا أمه زي الخدامة».
أول ما العربية وقفت، لقيت سامح واقف على الباب، جنب كراتين وشنط هدم هدوم متكومة على الرصيف. وشه كان شاحن، وعيونه منافخة من كثر العياط. نادية كانت قاعدة في عربية أبوها ورا، حاطة وشها في الأرض ومش قادرة ترفع عينها في حد من الجيران.
أمي أول ما شافت سامح على الرصيف بالمنظر ده، مسكت في إيدي بقوة:
— سيد.. عشان خاطري بلاش الفضيحة دي قدام الناس.
نزلت من العربية وفتحت الباب لأمي. مسكت إيدها ومشيت بيها بثبات وسط الجيران اللي كانوا يبصوا لأمي باحترام ول سامح باحتقار.
سامح قرب من أمي ورمى نفسه تحت رجليها في الشارع قدام الكل:
— سامحيني يا أمي! وحياة أغلى حاجة عندك سامحيني! أنا أستاهل الجزمة اللي انضربت بيها، بس بلاش تسبيني أترمي كده!
أمي جسمها كله كان بيترعش، وبصتلي بعيون مليانة ترجي. كنت عارف إن قلب الأم ما بيستحملش، بس كنت عارف كمان إن التساهل في الموقف ده هيضيع حقها وحقي تاني.
مسكت سامح من قميصه ووقفته بالعافية:
— بلاش الشو ده يا سامح. أنت أخدت فرصة عشر سنين تغسل فيها رجين أمك، بس اخترت تكنسها جنب الغسالة. حاجتك أهيه، والمبلغ اللي فاضل لك من حق إقامتك القديم المحامي هيسلمهولك بشيك، عشان تبدأ بيه حياتك بعيد عننا.
الحاج عبد الجواد نزل من عربيتها وقرب مننا، ومسك عقد البيت الجديد المطرز بالختم الرسمي، ووضعه في إيد أمي قدام المنطقة كلها:
— اتفضلي يا حاجة زينب.. البيت ده بيتك بملكيتك الخالصة مدى الحياة، وسيد ابنك أثبت إنه راجل وسيد الرجالة.
سامح بص لأمي وهي ماسكة العقد، ولأول مرة يحس بمدى صغره وعجزه. أخد شنطه وترك الشارع وهو مطأطأ الراس، في حين أخدت أمي من إيدها وطلعنا السلم.
فتحت باب الشقة.. الشقة كانت فاضية من الكراتين والكركبة، والعمال كانوا شغالين بيرجعوا أوضة أمي الكبيرة زي ما كانت وأحسن. دخلتها الأوضة، قعدتها على السرير الكبير المحترم، وفتحت الشباك اللي بيطل على الجنينة عشان يدخل الهواء والشمس.
أمي قعدت على السرير، وبصت للحيطان، وبعدين بصتلي وقالت بصوت هادئ:
— أنت فاكر إن الموضوع خلص يا سيد؟
بصيتلها باستغراب:
— يعنى إيه يا أمي؟ الشقة ورجعت، ونادية وسامح ومشوا.. إيه اللي فاضل؟
أمي حطت إيدها على الترابيزة اللي جنب السرير، وفتحت درج صغير كانت نادية نسيت تقفله وهي بتلم حاجتها.. طلعت منه دفتر مذكرات صغير ولونه أسود، ومحطوط جواه كارت بنكي غريب وأوراق رسمية مختومة بختم النيابة.
أمي بصتلي وقالت بنبرة خلت دمي يتجمد في عروقي:
— نادية وسامح ما كانوش بيعملوا كل ده عشان شوية الأكل يا سيد.. الحكاية أكبر من كده بكتير، والورق ده بيقول إن سامح كان بايع حاجة تانية خالص من ورايا ومن وراك!
مسكت الدفتر الأسود من إيد أمي، وإيدي بتترعش من المفاجأة. الكارت البنكي اللي كان جواه ما كانش باسم سامح ولا باسم نادية.. ده كان كارت حساب بنكي باسم أمي نفسها، والأوراق الرسمية المختومة بختم النيابة كانت عبارة عن توكيل عام رسمي باسم سامح إدارة وتصرف، معمول بتاريخ قديم من خمس سنين، وبصمة أمي عليه كانت ممسوحة بقلة حيلة وضغط!
فتحت الدفتر، ولقيت نادية كاتبة فيه بخط إيدها كل التحويلات المالية اللي كانت بتوصل من الخليج، ومعاها المبالغ اللي سامح كان بيسحبها بالتوكيل ده من حساب أمي اللي أنا كنت أصلًا بعمله كـ «قرشين للزمن» وبحوله فيه مبالغ إضافية غير المصاريف الشهرية عشان لو جرالها حاجة وأنا بعيد.
المفاجأة الأكبر في الأوراق كانت عقد بيع ابتدائي لـ «قطعة الأرض» اللي أبويا سابها لينا في القرية! الأرض اللي كانت المفروض المشاع بيني وبين سامح، سامح كان بايعها بالتوكيل المزيف ده لشخص غريب من أسبوعين بس، وقابض عربون نص مليون جنيه!
بصيت لأمي بذهول:
— الأرض اتباعت يا أمي؟ توكيل إيه ده اللي معاه؟ إنتِ مضيتِ على حاجة لسامح؟
أمي نزلت دموعها وقالت بكسرة:
— من سنتين لما تعبت أوي وجاتلي الغيبوبة، سامح جابلي راجل بمكتب وأوراق وقال دي أوراق المستشفى وعشان يصرف لي الدوا من التأمين.. أنا ما بشوفش يا ابني، بصمت وأنا فاكرة إنه بيساعدني!
في اللحظة دي، تلفوني رن. كان المحامي عمرو.
فتحت الخط فوراً، وصوتي كان زي الشرار:
— عمرو! أقف عندك، القصة ما انتهتش! سامح بايع أرض القرية بتوكيل مزور وقابض عربون نص مليون جنيه!
عمرو اتصدم على الناحية التانية:
— الأرض؟ إزاي ده يحصل؟ الأرض دي عليها حظر تصرف لأن عقدها الأصلي معايا أنا في المكتب!
قلت له:
— سامح عمل توكيل عام باسم أمي واستغل مرضها، وشكله متورط مع ناس حيتان في القرية. عايزك فوراً تعمل بلاغ لنيابة الأموال العامة بإلغاء التوكيل والتزوير واستغلال مرض كبار السن!
في الوقت ده، الباب الخارجي للشقة اتهز بضربات عنيفة وقوية جداً، وكأن حد بيحاول يكسره!
أمي اتخضت ومسكت فيا:




