عام

حكايات عادل نرمين 2

— يا ساتر يا رب! مين بيخبط كده؟

مشيت ناحية الباب وفتحته بحذر، لقيت قدامي تلات رجالة أشكالهم تخوف،

وطوال، ووراهم كان واقف راجل ببدلة وجسمه مليان، باين عليه إنه من كبار تجار الأراضي في الصعيد والريف.

الراجل اللي ببدلة زق الباب ودخل بثقة وإجرام:

— فين سامح؟ فين الأستاذ اللي أخد مننا نص مليون جنيه عربون أرض الحاجة زينب وشرد؟

بصيت له بكل ثبات وما تهزتش:

— سامح ملوش وجود هنا، والبيت ده ملك الحاجة زينب بالكامل. وأنت مين أساساً عشان تدخل بيتي بالطريقة دي؟

الراجل ضحك بصوت عالي واستفزازي:

— أنا الحاج رجب العتموني.. وأنا اللي شاري أرض القرية بموجب توكيل رسمي ومعايا وصل أمانة على سامح بمليون جنيه شرط جزائي لو البيع ما تمش بكرة الصبح! وسامح تلفونه اتقفل وفص ملح وذاب، وأنا جاي أستلم الأرض يا إما أخد فلوسي وشرطي الجزائي من البيت ده!

خرجت أمي من الأوضة بتترعش وساندة على الحيطة:

— يا بني إحنا ما بعناش حاجة.. الفلوس دي إحنا ما شفناش منها مليم!

رجب العتموني بص لأمي بقسوة وقالية:

— الورق ورقك يا حاجة، والبصمة بصمتك! وإما تسلموني أوراق الأرض وباقي العقود بكرة، يا إما هحبس سامح، والبيت ده مش هيقعد لكم فيه آمان!

قربت من رجب ووقفت وشي في وشه، ونزلت إيده اللي كان بيشاور بيها على أمي:

— شيل إيدك يا رجب.. سامح لو نصب عليك، تروح تدور عليه في أقسام الشرطة، لكن لو فكرت ترفع صوتك على أمي أو تقرب من شبر في البيت ده، حظك هيكون أسود من السواد اللي في قلبك. والتوكيل اللي معاك ده توكيل باطل ومزبلة النيابة هتحكم فيه بكرة!

رجب العتموني اتراجع خطوة وابتسم ابتسامة شريرة:

— بقى كده؟ تمام يا ابن الخليج.. قدامك 12 ساعة بس. لو سامح ما ظهرش ورجع الفلوس أو سلمتوني أصول الأرض، مش هرحم حد فيكم.. وشارعكم ده كله مش هيعرف ينجدكم مني!

خرج رجب ورجالته ورزعوا الباب وراهم بقوة كادت تكسر الخشب.

أمي قعدت على أقرب كرسي وهي بتبكي وتدعي:

— يا فضيحتك يا سامح.. يا طينتك يا ابني! أكلتنا لحم ورميتنا للعصابات!

مسكت تلفوني فوراً واتصلت بعمرو المحامي:

— عمرو.. رجب العتموني كان هنا وبيهدد بالقتل والحبس، ومعه وصل أمانة بشرط جزائي مليون جنيه على سامح.

عمرو رد بقلق:

— رجب العتموني ده مسجل خطر تجارة أراضي ونفوذه كبير في المركز! سامح ورّطكم في مصيبة سودا يا سيد.. لو رجب رفع وصل الأمانة فوراً هينزل ضبط وإحضار لسامح، ولو ركّب التوكيل في الشهر العقاري بكرة الصبح الأرض هتضيع رسمياً!

قلت لعمرو بصوت صلب زي الحديد:

— مش هسمح له وياخد شبر واحد من أرض أبوي ولا يمس أمي بسوء. جهزلي بلاغ النيابة، وهاتلي عنوان الشقة اللي نادية وسامح هربوا ليها عند أهلها.. أنا نازل لهم بنفسي دلوقتي!

خرجت من البيت في ظلام الليل، سبت أحد أقاربي الأمناء يحرس الشقة وأمي، وطلعت على بيت أهل نادية.

أول ما وصلت الشارع، لقيت الشارع هادي جداً. طلعت السلم وضغطت على الجرس بقوة.

فتحلي أبو نادية، الحاج عبد الجواد، ووشه كان أسود من الخجل:

— سيد؟ خير يا ابني في إيه في نص الليل؟

دخلت الصالة من غير ما أستأذن، وصرخت بصوت هز أركان الشقة:

— اطلع يا سامح! اطلع يا حرامي يا مزور يا اللي بعت أرض أبوك وأمك ورميتنا للبلطجية!

خرج سامح من الأوضة الداخلية وهو خايف وميت من الرعب، ووراه نادية ماسكة في دراعه.

سامح أول ما شافني اترما على ركبه:

— سيد! الحقني يا سيد! رجب العتموني هيدبحني! نادية هي اللي قالتلي نعمل التوكيل ونبيع الأرض عشان نعمل مشروع ونكسب! الفلوس راحت في البورصة وخسرت كل حاجة!

نادية صرخت:

— أنا مالي؟ أنت اللي جشِع وعايز تبقى غني بسرعة!

مسكت سامح من زقم قميصه ورفعته فوق:

— الفلوس فين يا سامح؟ الرعب اللي أمك عايشة فيه دلوقتي تمنه إيه؟ رجب العتموني قدامه ساعات وهيحبسك أو يهد البيت على راس أمك!

سامح بكى بحرقة وقال:

— والله العظيم ما معايا مليم! الفلوس ضاعت في شيكات وبورصة وهمية.. رجب هيقتلني يا سيد!

في اللحظة دي، تلفوني رن.. النمرة كانت غريبة.

فتحت الخط وسألت: «مين؟»

جالي صوت رجب العتموني الضاحك والمستفز، ومن خلفه كان صراخ أمي العالي بيتردد في التلفون:

— سيد! الحقني يا ابني! هجموا على الشقة وأخدوني!

رجب العتموني قال بصوت أبرد من الثلج:

— أمك معايا يا سيد.. في المزرعة القديمة في القرية. قدامك لحد الفجر.. تجيلي ومعاك عقد الأرض الأصلي وتتنازلوا رسمياً، يا إما أمك مش هتشوف شمس بكرة، وسامح أخوك هيتدفن جنبها!

سمعت صوت أمي وهي بتصرخ في التلفون، وحسيت إن الأرض بتدور بيا، والدم اتجمد في عروقي. الدنيا كلها اختفت من قدامي، وما بقاش في عقلي غير فكرة واحدة: «أمي في إيد مجرم مش بيرحم».

قفلت الخط مع رجب العتموني، وبصيت لسامح اللي كان قاعد على الأرض بيبكي وبيلطم على وشه زي الحريم. مسكته من زقمه ورفعته بغل وحجمت عليه:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى