
— يادي الفضيحة ويا دي المصيبة! أمك تتخطف يا سامح؟ يلعن اليوم اللي دخلتك فيه بيتي! أنا جاي معاك يا سيد، مش هسيب الحاجة زينب!
اتصلت فوراً بالمحامي عمرو وأنا في العربية، وصوتي كان حاسم وشرس:
— عمرو! رجب العتموني خطف أمي وموديها المزرعة القديمة في القرية! كلم المأمور ورئيس المباحث فوراً، البلاغ خطف واحتجاز وتشكيل عصابي ومحاولة ابتزاز تحت تهديد السلاح! أنا رايح على هناك دلوقتي!
عمرو رد بذهول ورعب:
— أوعى تدخل المزرعة لوحدك يا سيد! رجب العتموني عنده عرب وأنفار مسلحين هناك، انتظر قوة الشرطة!
قلت له وأنا بدوس بنزين العربية لأقصى سرعة:
— أمي جوة يا عمرو.. مش هنتظر دقيقة واحدة! تحصلني القوة على هناك!
سُقت العربية بأقصى سرعة على الطريق الزراعي، وسامح جنب مني كان جسمه كله بيترعش من الخوف. الشوارع كانت ضلمة وكأنها مجبرة تحزن على اللي بيحصل. نص ساعة وكانت العربية واصلة أطراف القرية، عند المزرعة المهجورة وسط غيطان الذرة.
نزلت من العربية، ومسكت شوم حطب ثقيل كان في شنطة العربية. الحاج عبد الجواد وسامح نزلوا ورايا.
المزرعة كانت عبارة عن بيت قديم بسور عالي، والضوء خافت طالع من شباك مكسور. عند الباب كان واقف اثنين من رجال رجب العتموني، ماسكين أسحتهم:
— أقف عندك يا جدع أنت وهو! محدش يخطو خطوة ثانية!
ما اهتميتش بالأسلحة، ومشيت بثبات ورجلي بتهز الأرض، وصرخت بأعلى صوتي هز السكون في الغيطان:
— يا رجـــــــــب! اخرج يا رجب! سيد جالك يا جبان يا اللي بتتطاول على ستات كبار!
باب المزرعة اتفتح، وخرج رجب العتموني ببدلته وشكله المستفز، ومعه رجلين تانيين. كان ماسك في إيده مسدس، وابتسم ابتسامة مريضة:
— جيت يا ابن الخليج؟ وجبت معاك الكلب سامح اللي أكل فلوسي؟ فين عقود الأرض؟ فين التنازل؟
طلعت من جيبي العقد الأصلي بتاع الأرض اللي كان معايا، ورفعته في الهواء:
— العقد أهو يا رجب! أمي فين؟ لو أمي مش قدام عيني سليمة ومش مساسها سوء، العقد ده هيتحرق قدام عينك والشرطة على وشك توصل!
رجب ضحك بصوت عالي:
— شرطة إيه يا مغفل؟ الشرطة عقبال ما توصل المزارع هنا تكون أمك وأنت وأخوك تحت التراب ومحدش داري عنكم! هات العقد!
أومأ رجب لرجاله، وقاموا جايبين أمي من جوة المزرعة. كانت تربيطة إيديها بالحبل وشالها ملفوف على بقها، ودموعها نازلة على وشها. أول ما شافتني، بدأت تتكلم بصوت مكتوم وتحرك راسها بمعنى «اهرب يا ابني».
قلبي اتعصر من المناظر دي. بصيت لسامح وقلت له بصوت واطي:
— لما أهجم، تجري تاخد أمك وتطلع بيها على عربية الحاج عبد الجواد.. فاهم؟
رجب قرب مني ومد إيده:
— هسلمك أمك وتديني العقد وتبصم على الورق اللي معايا.. يالّا انجز!
في اللحظة دي، بدلاً ما أديله العقد، ضربت بالشوم اللي في إيدي بكل قوتي على إيد رجب اللي ماسكة المسدس! المسدس طار في الهواء، ورجب صرخ من الوجع.
انقذت الفرصة وهجمت عليه، ودخلنا في تشابك قوي. الرجالة بتوعه اتفاجئوا وكانوا هيطلقوا النار، بس في نفس اللحظة.. صفارات أنوار الشرطة والفلاشات الأزرق والأحمر ملأت المكان وصوت الميكروفونات رن في الغيطان:
«سلم نفسك يا رجب! المزرعة متحاصرة من كل جيهة!»
الرعب دب في قلوب رجالة رجب، ورموا أسلحتهم وبدأوا يجروا في الغيطان، وقوة المباحث برئاسة رئيس المباحث والمأمور دخلت المزرعة وسيطرت على المكان في ثواني.
عمرو المحامي دخل وراهم وجري عليا:
— سيد! أنت كويس؟
كنت ماسك رجب العتموني من قميصه وضاغط عليه على الأرض لحد ما الضباط كلبشوه.
جريت فوراً على أمي، فكيت حبالها وشيلت الشال من على بقها. أمي اترمت في حضني وهي بتعيط وبتبكي بقوة:
— يا حبيبي يا سيد! يا ابني الحمد لله إنك بخير! كنت خايفة يعملوا فيك حاجة!
بست إيديها وراسها ودموعي نازلة:
— خلاص يا أمي.. خلاص يا حبيبتي، كابوس وانتهى، ومحدش هيمسك بسوء طول ما أنا حي على وش الأرض.
الضابط أخد رجب العتموني ورجالته في البوكس، وبص لسامح اللي كان واقف بيترعش:
— وأنت يا أستاذ سامح.. متهم رسمي في قضية التزوير والاستيلاء على أموال بالنصب وتزوير توكيل رسمي، اتفضل معانا على القسم!
سامح انهار وبص لأمي بكسرة ورجاء:
— أمي! قوليلهم يسبوني! والله ما كان قصدي! نادية ورجب هما اللي ورطوني! سامحيني يا أمي!
أمي بصت لسامح، ودموعها كانت نازلة بحسرة وألم.. ألم الأم اللي شايفها ابنها بيروح للمصير اللي اختاره بإيده. أمي بصت للأرض وما ردتش، وسابت القانون ياخد مجراه بعد ما استنفذت كل فرص المسامحة.
بعد مرور شهرين…
الشمس كانت طالعة دافية وجميلة على الجنينة الصغيرة ورا البيت.
البيت اتبنى ويتصلح من جديد، بقى أزهى وأجمل بيت في المنطقة. الشقة الكبيرة اتفرشت بأفخم الأثاث، وأوضة أمي الكبيرة بقت زي ما تمنت وأحسن: سرير كبير دافي، وشباك واسع بيدخل النور، وترابيزة عليها ورد ونظارتها وصورة أبويا الله يرحمه في برواز مذهب نضيف.
سامح أخد حكم بالسجن ثلاث سنوات بتهمة التزوير والنصب، ونادية اتطلقت منه بعد ما أهلها تبروا منها ومن أفعالها، وعاشت في حسرة وندم في بيت أبوها.
كنت قاعد على السفرة الكبيرة اللي في صالة البيت.. السفرة اللي كانت يوم إمبارح سبب في الإهانة، النهاردة مليانة بأحلى وأشهى أكل.
وأمي، الحاجة زينب، كانت قاعد على رأس السفرة، مكرمة، لابسة ثوبها الأبيض الجديد، وابتسامتها الماليانة رضا ونور مالية وشها.
قعدت جنبها، ومسكت إيدها وبستها:
— كلي يا أمي.. السفرة دي بتاعتك، والبيت ده بيتك، وعمر ما حد هيقدر يقعدك في المطبخ تاني.
أمي بصتلي بعيون مليانة حب وفخر، وحطت إيدها على راسي وداعتلي:
— ربنا يباركلي فيك يا سيد يا ابني.. ربنا يرزقك بر عيالك زي ما بريت بيا، ويردلك كل نقطة عرق شقيتها في الغربة ونصرت بيها أمك.
ابتسمت وضميت أمي لصدري. البيت اللي اتدفع تمنه حتة حتة من شقا السنين، اتملى أخيراً بالأمان والسلام، وعرف كل واحد في العيلة إن الظلم مهما طال ليله.. الحق والبر لازم ينتصروا في النهاية.




