عام

حكايات نرمين عادل1

لفيت له.

— أمال أمي بتنام فين؟

سكت.

محدش رد.

مشيت لآخر البيت.

جنب الغسالة، لقيت أوضة صغيرة أنا أصلًا ما كنتش أعرف إنها مستخدمة.

أوضة من غير شباك.

السقف فيه بقع رطوبة.

وسرير صغير محشور بالعافية جواها.

وعلى ترابيزة بلاستيك صغيرة كانت صورة أبويا الله يرحمه.

أمي كانت بتنام هنا.

أمي…

دخلت الأوضة الضيقة دي، وحسيت إن الهواء اتسحب من صدري مرة واحدة. المكان ريحته رطوبة وتراب، سقف واطي وبقع العفن واكلة بياض الحيطة، والأصعب من ده كله، إنه جنب الغسالة والموتور اللي صوته ينقب الراخص.

بصيت لسرير أمي الصغير، الملاية المنسولة اللي تحتها مرتبة صوف هبطانة، وعلى الترابيزة البلاستيك الصغيرة كانت صورة أبويا، جنبها شريطين دوا ضغط وكوباية ميه فيها تفل تراب.

سامح كان واقف ورايا عند باب الأوضة، حاطط إيده في جيبه وموطي راسه، بس نادية مراته لمحتني واقف وبصالي بثقة غريبة، وكأنها بتقول «أهيه ، هتعمل إيه يعني؟».

التفتّ لسامح، وصوتي خرج أهدى مما كنت أتوقع، هدوء يسبق العاصفة:

— الأوضة دي إنت تنام فيها يا سامح؟

سامح اتلجلج:

— يا سيد.. الأوضة التانية كركبة بس، وبعدين أمي هي اللي قالت الأوضة الكبيرة واسعة عليها ومشرحة في الشتا.. هي اللي اختارت!

نادية اتدخلت بصوت عالي:

— وبعدين يا أستاذ سيد، إحنا خلفنا عيلين، والعيال كبروا ومحتاجين أوضة مستقلة، هي برضه تيجي إزاي يعيشوا مع ست كبار؟ ولا إحنا نجيب نسيبنا وقرايبنا يقعدوا في المطبخ عشان الست الوالدة واخدة أكبر أوضة في البيت؟

ما رديتش عليها ولا كلمة. بصيت لأمي اللي كانت واقفة وراهم بتترعش، ماسكة في طرف جلابيتها السمرة، وعيونها مليانة دموّع ورعب.. رعب مش من البرد ولا من الإهانة، رعب إن البيت يتخرب بسببها.

قربت من أمي، وطيت على إيدها بوستها، وقلت بصوت مسموع للكل:

— ادخلي الأوضة دي يا أمي هاتيلك طرحة ثقيلة، وشيل صورة أبوي في حضنك.. إنتِ طالعة معايا من البيت ده الليلة.

سامح اتخض وقرب مني:

— طالعة معاك فين؟ إنت اتجننت يا سيد؟ هتفضحنا في المنطقة عشان شوية كلام فارغ؟ الناس تقول إيه لما أمه تخرج في أنصاص الليالي؟

رديت عليه وأنا ببصلة في عينه بكل قسوة:

— الناس هيقولوا اللي هيشوفوه.. إن الراجل اللي ساب البيت لراجل يعيش فيه، اكتشف إنه سابه لواحد ميعرفش يعني إيه أصل ولا دين.

في اللحظة دي، تلفوني رن. كان المحامي عمرو.

فتحت السبيكر قدامهم كلهم.

عمرو: «أهلاً يا سيد، أنا راجعت الملفات والأوراق بسرعة زي ما طلبت.. البيت ملكيتك الكاملة، العقد مسجل ومشهر، وأخوك سامح ملوش أي حصة غير حق الإقامة بصفته إداري بشرط موافقتك. لو عايز تنفذ البيع أو تعمل إخلاء، الورق جاهز ونقدر نرفعه الصبح».

سامح وشه جاب ألوان، ونادية ضحكتها  اختفت تماماً واستبدلت بنظرة صدمة.

نادية بصوت متوتر:

— بيع إيه وإخلاء إيه؟ هو لعب عيال؟ إحنا بنينا وحطينا فلوس في  دي! إحنا جددنا السيراميك وغيرنا السباكة!

رديت عليها بثبات:

— الفلوس اللي اترمّمت بيها الشقة دي، هي نفس الفلوس اللي كنت ببعتها كل أول شهر تحويل باسم سامح، ومعايا كشوفات الحساب من البنك في الخليج بالريال وبالجنيه لمدة عشر سنين.

نادية قربت من سامح وزقته في كتفه:

— ساكت ليه؟ اتكلم! قول له الفلوس دي كانت بتروح فين! قول له إن أمك هي اللي كانت بتصرف على الدوا والأكل، وإنك ما حيلتكش حاجة!

أمي قربت مني، ومسكت في دراعي وهي بتعيط بصوت مكتوم:

— عشان خاطري يا سيد.. يا ابني بلاش خراب بيوت، سامح أخوك الصغير، ونادية ملهاش أصل فمعلش، كبر عقلك، أنا مرتاحة هنا والله، الفول أنا اللي أكلته بمزاجي..

مسكت إيد أمي وضمتها لصدري:

— وحياة دموعك دي يا أمي، وحياة الشقا اللي شقيته تسع ألاف كيلو بعيد عنك، ما في حد هيظلمك تاني.. بس اصبري عليا.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى