عام

حكايات نرمين عادل1

مشيت مع أمي، مسكت شنطتي الصغيرة، وأخذتها في إيدي وخرجنا من الشقة. نادية كانت واقفة على باب الصالة بتزعق بصوت عالي وهي بتكلم قرايبها اللي قاعدين على السفرة:

— شوفوا الأستاذ جيلنا بعد عشر سنين يعمل علينا ولي نعم! طالع يتفرد علينا بفلوس الخليج!

نزلت أمي السلالم خطوة بخطوة. كانت بتلفت وراها بحسرة، كأنها بتودع الحيطان اللي عاشت فيها عمرها، بس أنا ما كنتش شايف غير الظلم اللي اتفرض عليها في البيت اللي أنا عرق دم عيني عشان يبقى ستر ليها.

أخدت أمي في عربية أجر، وطلعت بيها على فندق نضيف جنب كورنيش النيل، حجزت لها أكبر جناح، سرير دافي، حمام نضيف، ومطل على النيل مباشرة. أول ما دخلت الجناح، قعدت على السرير وفتحت إيديها وطبطبت على المرتبة، وكانت بتعيط بذهول:

— يا ابني كل ده ليه؟ الكتير ده عليا يا سيد.. ده الأوضة دي بفلوس كتير!

قعدت تحت رجليها، وحطيت راسي على ركبتها:

— ده مش كتير عليكِ يا أمي.. ده أقل حاجة تستحقيها. إنتِ اللي كنتِ بتنامي في جحر جنب الغسالة عشان المحترمين ينعموا بالبيت؟

بعد ما أمي نامت من التعب والأدوية، قعدت في الصالة بتاعة الجناح، طلعت موبايلي القديم.

الموبايل ده أنا ما كنتش بستخدمه للاتصالات العادية، ده كان الموبايل اللي مربوط بكاميرات وميكروفونات مراقبة صغيرة كنت زرعها في صالة البيت وفي أوضة أمي من تلات سنين!

القصة بدأت من تلات سنين، لما بدأت أحس إن نبرة أمي في التلفون بتتغير. كانت كل ما أكلمها تقول: «أنا بخير يا ابني، سامح ونادية شايلين المية من قدامي»، بس كان صدى الصوت غريب، وساعات كنت أسمع صوت نادية بتزعق في الخلفية قبل ما أمي تقفل السكة بسرعة وتقول «الشبكة بايظة».

وقتها، لما نزلت إجازة سريعة لمدة 48 ساعة من سنتين ونص، استغليت فرصة إنهم كانوا برة البيت، وركبت ميكروفونات تسجيل مخفية بتشتغل بالحركة والصوت المرتفع، ومربوطة بشريحة داتا وسيرفر سحابي، عشان أطمئن على أمي وأنا مسافر.

فتحت الأرشيف المالي والتسجيلات الصوتية المخزنة على السيرفر.

بدأت أسمع.. وتمنيت لو إني اتعميت واتصميت قبل ما أسمع التسجيلات دي.

التسجيل الأول – تاريخه من سنتين:

صوت نادية طالع حاد ومستفز:

— يا حاجة زينب، الكشوفات دي كتيرة أوي! الدوا ده غالي، سامح مش هيدفع ألفين جنيه دوا في الشهر!

صوت أمي ضعيف وبيرتعش:

— يا بنتي ده سيد بيبعت الفلوس دي كل أول شهر، هو قايلي بيبعت ثمانية ألاف غير الدوا..

نادية بتضحك بصوت واطي:

— سيد بيبعت للبيت ولعيال أخوه، إنتِ خلاص كبرتِ، والأكل الكتير مش حلو عشان السكر، خدي نُص القرص ده واقعدي ساكتة.. وبعدين الأوضة الكبيرة دي إحنا أولى بيها، العيال كبرت، اتنقلي الأوضة اللي جنب الغسالة وسعي على عيال ابنك!

التسجيل الثاني – من سنة تقريباً:

صوت سامح ونادية بيتكلموا في الصالة بالليل:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى