
ابتسم توفيق النحاس ابتسامة صفراء ملطخة بالخبث، وطلع من شنطته كراسة شروط وعقد مالي ضخم، حطهم قدام جاسر من تحت السلك وقال بصوت واطي:
“اللي برة دول رجال أعمال تقال قوي يا جاسر بيه.. التكتل المنافس لعاصم الشريف في السوق العربي، والناس دي مش بتتفاهم. عشان نخرجك بثغرة بطلان إجراءات القبض والتفتيش اللي الظابط وقع فيها، لازم توقع على التنازل ده عن أصولك وبقايا أسهمك لينا، وفي المقابل.. هنسلمك الخيط اللي يهد عرش عاصم وندى في ضربة واحدة.”
جاسر ما فكرش ثانية واحدة، مسك القلم بيده اللي بظفرها المغروز في كفه ووقع على كل الأوراق وهو بينفس بصعوبة وسرعة، وعينيه مليانة غل وجنون:
“وقعت! قولي بقى.. إيه هو الخيط؟ إزاي أقدر أكسر عاصم وأرجع ندى تحت جزمتي؟”
قرب المحامي منه وهامس في وذنه بكل دهاء:
“عاصم الشريف مبيستثمرش بفلوسه بس.. عاصم شايل في خزنة مكتبه الخاصة في البرج وثائق وأوراق تحويلات مالية ضخمة تخص صناديق استثمار دولية غير رسمية، أوراق لو اتسربت للإعلام وللهيئة المالية العامة، مش بس شركته هتقفل.. ده هو نفسه هيروح في ستين داهية والقانون هيمنعه من ممارسة أي نشاط تجاري مدى الحياة! وندى بصفتها الشريك التنفيذي والمسؤولة الأولى عن التوقيعات من الأسبوع ده، هتشيل الشيلة كلها معاه وهتتسجن جنبه في نفس القفص!”
جاسر ضحك ضحكة هستيرية عالية خلت الحراس يبصوا له باستغراب، وقال وهو بيمسح العرق من جبهته:
“يعني الخزنة دي فيها إعدامهم هما الاتنين؟! بس إزاي أوصل لخزنة عاصم الشريف؟ البرج بتاعه متحاوط بحراسة أشد من الثكنات العسكرية!”
رد النحاس بابتسامة خبيثة:
“دي شغلتي وشغلة الناس اللي برة. بكرة الصبح المحكمة هترفض حبسك الاحتياطي بفضل بطلان الإجراءات وهتخرج بكفالة مالية دفعهالك التكتل. وساعتها.. هتنفذ الخطوة الأولى من الخطة بنفسك.”
في اليوم التالي، كانت ندى وعاصم في جناح حجز الطيران الخاص في مطار القاهرة الدولي، يستعدان للسفر إلى باريس. ندى كانت لابسة فستان أبيض بسيط ومعطف كلاسيكي، وملامحها مرتاحة لأول مرة من سنين. عاصم كان واقف جنبها بيراجع بعض الملفات على تليفونه ويده التانية ماسكة يدها بحنان وثبات.
فجأة، تليفون عاصم رن برقم مديرة مكتبه في البرج. رد عاصم بنبرته الهادية:
“أيوة يا مريم.. فيه حاجة؟”
صوت مريم جاء متوتر جداً ويرتجف:
“عاصم بيه! الحقنا! النيابة العامة أطلقت سراح جاسر الألفي بكفالة بقرار مفاجئ من قاضي المعارضات، والمحامي الجديد بتاعه رفع دعوى استئناف مستعجلة للتحفظ على أموال الشركة ومنع مدام ندى من السفر لحين الفصل في أصل ملكية الأسهم!”
ندى شافت وجه عاصم بيتغير والصرامة بترجع لملامحه في ثواني. سألت بقلق:
“في إيه يا عاصم؟ جاسر حصل له حاجة؟”
عاصم قفل التليفون وهدى ندى بابتسامة واثقة، رغم الغضب اللي كان جواه:
“جاسر خرج بكفالة.. والظاهر إن فيه حيتان كبار في السوق بدأوا يلعبوا من وراه عشان يوقفوا السفر ويشغلتونا. المحامي بتاعه قدم طلب لمنعك من السفر.”
ندى وقفت بثبات ورأس مرفوعة، وعيونها ألمحت شرارة تحدي قديمة:
“فاكر إنه لما يخرج هيرعبني؟ ولا فاكر إنه يوقف سفرنا هيهدني؟ أنا مش هربانة يا عاصم، أنا صاحبة حق. خلينا نلغي السفر ونرجع البرج، ونشوف جاسر ومين اللي وراه هيعملوا إيه!”
عاصم بص لها بإعجاب شديد، ومسك يدها وقبلها:
“وده اللي كنت منتظره منك يا ندى.. اللعبة كبرت، والحيّة طلعت من جحرها بنفسها.”
في نفس الوقت، كان جاسر نازل من عربية سوداء زجاجها فامي فخم أمام البرج التابع لعاصم الشريف. كان لابس نظارة شمسية وبدلة جديدة جابها له التكتل، ووراه أربعة من المسلحين التابعين للتكتل المنافس.
جاسر كان باصص للبرج الشاهق بابتسامة شريرة، ودخل البهو الرئيسي وهو بيمشي بخطوات واسعة. الأمن حاول يمنعه، بس جاسر طلع إخطار رسمي من المحكمة بالمعاينة والمراجعة المالية بصفتهم الطرف الشاكي في دعوى الملكية، ومعه محضر تنفيذ!
صعد جاسر في الأسانسير الفاخر لحد الدور الأخير، حيث مكتب عاصم الشريف ورئاسة التخطيط. دخل المكتب بغرور واستفزاز، ولما شاف مريم مديرة المكتب واقفة مرعوبة، رمى الملف على مكتبها وقال بصوت عالي:
“قولي لسيدك عاصم وللهانم طليقتي إن جاسر الألفي مابيموتش بسهولة! قولي لهم إن القضايا لسه الملاعب مفتوحة فيها، وأنا جاي أسترد حقي من قلب مكتبه!”
وفجأة، انفتح الباب الرئيسي للمكتب، ودخل عاصم الشريف ببدلته الكحلي الأنيقة، وجنبه ندى بكامل كبريائها وجمالها اللي كان بيقطع نفس جاسر كل ما يشوفه.
وقف عاصم في نص الصالة، وحط أيديه في جيوبه، وبص لجاسر بنظرة شوارع مهينة، ورسخ عينيه في عينيه وقال ببرود قاتل:
“أنت فاكر لما تخرج بقرار بطلان شكلي وتستقوى بشوية كلاب من منافسيني في السوق، إنك بقيت راجل يا جاسر؟ أنت مجرد كارت محروق بيستخدموك وبكرة يرموك في أقرب زبالة.”
جاسر شاط من الغيظ وقرب خطوة وهو بيمسك في حافة مكتب ندى:
“أنا مش كارت محروق يا عاصم! أنا اللي هحرق إمبراطوريتك دي كلها! أنت وندى هتدفعوا الثمن غالي! النيابة والأجهزة المالية هتوصل للمستندات اللي هنا، وساعتها هشوف الهانم دي وهي بتتجر بالكلبشات زي ما جرتني!”
ندى قربت منه بهدوء متناهي، ووقفت قصاده مباشرة، تفصل بينهم سنتيمترات بسيطة. بصت في عينيه بقوة ووضوح وقالت بصوت هادي كأنها بتبث السم في عروقه:
“أنت ضعيف قوي يا جاسر.. حتى وأنت متقوي بغيرك، برضه بتبصلي من تحت. فاكر إنك بقضية ومعاينة هتخوفنا؟ الملفات اللي أنت بتدور عليها والخزنة اللي المحامي توفيق النحاس زقك تسرق معلوماتها.. احنا اللي كنا سيبينها عشان نعرف مين الرأس الكبيرة اللي محركاك.”
جاسر اتسعت عينيه بصدمة ورعب حقيقي، ورجع خطوة لورا:
“أنتِ.. أنتِ بتقولي إيه؟! عرفتي منين النحاس؟!”
ضحك عاصم الشريف ضحكة هزت أركان المكتب، وطلع تليفونه وضغط على زرار السبيكر.
صوت توفيق المحامي جاء من التليفون وهو بيتكلم مع ظابط الأمن الوطني:
“أيوة يا فندم.. أنا بلغت جاسر بالخطة الوهمية وزقته يدخل برج عاصم الشريف بناءً على الاتفاق، عشان يقبضوا عليه متلبس بمحاولة سرقة وثائق سيادية والتخابر مع الشركات الأجنبية المنافسة!”
الدم هرب من وش جاسر بالكامل، النظارة الشمسية وقعت من إيده لاتكسرت على الأرض، وبص لعاصم وندى وجسده كله بيرتجف كأنه مصاب بالحمى:
“أنتوا.. أنتوا نصبتوا لي كمين؟ النحاس تبعكم?!”
ندى ابتسمت ابتسامة النصر الأخيرة، وأشارت بيدها ناحية باب المكتب اللي انفتح ودخل منه ضباط الشرطة العسكرية والأمن الوطني. وقالت لجاسر وهي بتبص له باحتقار شديد:
“أنت كنت فاكر إنك بتلعب مع ندى القديمة؟ ندى اللي كنت بتهينها ؟ أنا وعاصم بنلعب في مستوى أنت ما تحلمش حتى تشوفه يا جاسر. أنت دخلت برج الشريف بمحض إرادتك، والمستندات اللي في أيدك دي مستندات أمن دولة سرية اتقبض عليك وأنت بتحاول تسربها لحساب التكتل الأجنبي.”
الظابط قرب وحط الكلبشات في إيد جاسر بقوة وشدها للمرة التانية، بس المرادي الاتهام كان أشد وأخطر بكتير من مجرد تزوير.
جاسر وقع على ركبه على السجادة الفاخرة تحت جزم ندى وعاصم، وبدأ يصرخ وينتحب بصوت زي الكلاب الجريحة:
“ندى! ارحميني يا ندى! أنا اتخدعت! هما اللي استغلوني! أنا بحبك يا ندى! والله العظيم لسه بحبك وما حبستش غيرك! سيبيني وأنا هكون خدام تحت رجليكي أنتِ وعاصم بيه!”
عاصم مسك يد ندى وسحبها لورا خطوة، وبص لجاسر المرمي تحت رجليهم وقال بصرامة:
“الرحمة بتبقى للبشر يا جاسر.. مش للخونة والكلاب.”
سحب الضباط جاسر وهو بيصرخ ويبكي ويزحف على الأرض يحاول يلمس جزمة ندى، والصوت كان بيردد في الممر كله وهو بيتسحب للأسفل.
قفل عاصم باب المكتب، ولف لندى اللي كانت واقفة ومبتسمة وهي شايفة النهاية المحتومة للراجل اللي دمر حياتها في يوم من الأيام.
قرب عاصم منها، ومسك أيديها الاتنين وقال بنبرة مليانة حب وفخر:
“المرادي خلاص يا ندى.. جاسر والتكتل كله وقعوا في الفخ، والقضية دي ماليهاش خروج ولا كفالة للأبد. حان الوقت إننا نقفل الصفحة دي ونطير.”
ندى هزت رأسها بابتسامة صافية ودمعة فرح متلألئة في عينيها:
“يلا يا عاصم.. طيارتنا مستنية.”
سادت حالة من الذهول والهدوء الداكن في أروقة مبنى النيابة العامة، بعدما أُغلقت أبواب تحقيقات أمن الدولة العليا على القضية الشائكة التي أطاحت بـ “تكتل كبار رجال الأعمال المنافسين” وجرف في طريقها جاسر الألفي إلى مصير لم يكن يتخيله في أعتى كوابيسه.
في زنزانة انفرادية شديدة الحراسة، كان جاسر يجلس على الأرضية الباردة، وبدلته التي طالما تفاخر بها تحولت إلى سماليل ممزقة. لم يعد يملك شيئاً؛ لا مال، ولا شركة، ولا حتى اسماً يحترمه أحد. عيناه الغائرتان كانت تثبتان على الفراغ وهو يسمع صوت حراس السجن يتهامسون عن “الصفقة الكبرى” التي تمت بين الدولة ومجموعة “عاصم الشريف وندى الشهابي”، وكيف أصبحت ندى تُلقب في السوق بـ “المرأة الحديدية” التي تسلمت إدارة كافة المشاريع واستعادت كل مليح سُرق منها بالمليم والقرش.
في تلك الأثناء، وعلى بعد كيلومترات، في القاعة الملكية الكبرى لأحد أفخم فنادق القاهرة، كان المشهد كأنه لوحة أسطورية تفيض بالفخامة والجمال.



