
شريف وقف في الصالة زي السد المنيع، ضهره لجنى وليا وشاشته حامية البيت كله من زعيق سعيد. أنا دخلت وإيديا بتترعش، بلم هدومي وهدوم بنتي في الشنط والدموع مغرقة وشي. مش مصدقة إن الكابوس ده بيخلص بالسرعة دي، ولا مصدقة إن شريف واقف برة بيتخانق علشانا بعد خمس سنين كاملين من الغياب.
في الصالة برة، كان صوت سعيد بدأ يوطى ويتحول لخوف وتوتر بعد الكلمة الأخيرة اللي قالها شريف:
* “أنت تقصد إيه يا جدع أنت؟! أنت تتهمني بإيه؟! أنا راجل مشبوه ولا إيه عشان تهددني في بيتي؟!”
شريف ضحك بصوت واطي وملايان ثقة، وقرب من سعيد لحد ما بقى بينه وبينه شبر واحد:
* “أنا مش بشتغلك يا سعيد.. أنا لما سألت عليك قبل ما أجي هنا وعرفت أنت شغال إيه وفين، وعرفت العلاقات اللي بتشغلها من تحت لتحت في شركتك، جمعت عنك ملف كامِل ينقلك من بيتك ده لورا الشمس في 24 ساعة! أنا مش نازل مصر أهزر، أنا نازل أسترد حياتي وأحمي بنتي.. فبدال ما تعمل فيها سبع الرجال، طلق بالمعروف وانهي المهزلة دي بشياكة بدال ما تندم العمر كله.”
سعيد بلع ريقه بصعوبة، وشه بقى أصفر زي الليمونة، وبص لناحية الأوضة اللي أنا فيها وقال بنبرة مكسورة ومغلولة في نفس الوقت:
* “أنت جاي تخرب بيتي؟! هي اللي وافقت تجوزني وشالت شرطها على رأسها!”
شريف شال إيده من على كتف سعيد وقال بحسم:
* “هي استأمنتك على بنتها، وأنت طلعت مش راجل وما صنتش الأمانة.. اللعبة خلصت خلاص.”
خرجت من الأوضة وأنا شايلة شنطتين، وماسكة إيد جنى اللي كانت لسه مرعوبة. سعيد بصلي بصة كلها غل وقالي:
* “أنتِ طالعة مع الراجل ده من بيتي يا شيماء؟! فاكرة لما تخرجي من هنا هتعرفي ترجعي تاني؟! لو مشيتي دلوقت مش هتشوفي ضفري!”
أنا بصيت له بثبات لأول مرة من يوم ما اتجوزته، وقلت له بصوت طالع من قهر خمس سنين استرخاص وإهانة:
* “يرجعلك المحق والشر يا سعيد! أنا ما صدقت لقيت الباب اللي يخرجني من جهنمك ده.. أنت ما عملتش خاطر لربنا ولا لطفلة مالهاش ذنب، والحمد لله إن حقي وحق بنتي جه لحد عندي.”
شريف وطي وأخد الشنط من إيدي بإيد، والإيد التانية مسك بيها إيد جنى بالراحة. جنى بصت لأبوها وشبطت في صوابعه بجمد، كأنها حسّت بالأمان لأول مرة من شهور طويلة.
شريف بص لسعيد وقال له كلمة أخير قبل ما يفتح الباب:
* “المأذون هيوصلك إخطاره خلال أيام، وأي حق لشيماء هتاخده بالقانون بالمليم.. يلا يا شيماء.”
خرجنا من الشقة، وسمعنا رزعة الباب وراينا من سعيد بغل هزت السلم. نزلنا خطوات السلم وصوت جزم شريف الرخيمة هو اللي يرن في العمارة. أول ما خرجنا للشارع والهواء النقي في وشي، حسيت إن رئة جديدة اتفتحت في صدري.. كأني كنت وتحت المية وبدأت أتتنفس.
شريف وقف عربية شيك كانت مستنياه تحت العمارة، فتح الباب الوراني وقال بصوت حنين:
* “اركبوا يا شيماء.. هنروح بيت أمك الأول ترتاحوا.”
ركبت أنا وجنى ورا، وشريف ركب قدام جنب السواق. طول الطريق كان السكوت هو السائد، بس عيون شريف كانت كل شوية تبص عليا وعلى جنى في المراية القدامانية. جنى كانت ماسكة في جلابيتي ونامت على ركبتي من كتر التعب والخوف اللي عاشته الصبح.
وصلنا بيت أمي في المطبوعية.. أول ما أمي فتحت الباب وشافتنا، وشافت شريف شايل الشنط وداخل، صرخت بالفرحة والدموع نازلة من عينيها:
* “شريف؟! شيماء؟! يا كبدي يا بنتي.. إيه اللي حصل?!”
شريف حط الشنط ودخل أمي الأوضة وقعدها على الكنبة وقال لها بنبرة كلها احترام:
* “ما تقلقيش يا أمي.. الأمانة رجعت لمكانها الصح، وشيماء وجنى خلاص مش هيرجعوا للقرف ده تاني أبداً.”
أمي قعدت تدعي لشريف بدموع، وأنا قعدت جنبها ومسكت إيدها. شريف قعد قبالنا على الكرسى، وبصلي بصة طويلة كلها مشاعر متلخبطة.. عتاب، على شوق، على ندم قديم.
سكت شوية وبعدين قال بصوت واطي وتقل:
* “أنا عارف إنك محتارة يا شيماء.. وعارف إن عندك أسئلة ملهاش أخر عن الخمس سنين اللي فاتوا.. وعارف إنك فاكرة إن أنا نسيتكم أو بعتكم لما سافرت فرنسا.”
أنا رفعت عيني فيه وقلت له بنبرة مليانة شجن:
* “أنت سبتنا يا شريف.. خمس سنين وأنا عايشة على أمل روجعك، وفي الآخر لما قاطعت الأمل وتجوزت، لقيتك طالعلي على الباب!”
شريف حط إيده على ركبته وقرب لقدام وقال بصوت موجوع:
* “أنا ما سبتكمش بمزاجي يا شيماء.. أنا السفرية دي كانت طوق نجاة من كبيرة كنت هقع فيها هنا بسبب ديون الشراكة القديمة.. غاربت عشان ألم القرشين وأرجع أقف على رجلي وأحميكم، وكل مليم كنت ببعته كان بيخرج من دم قلبي.. بس أنا ما كنتش نعرف إنك هتأسي وتتجوزي واحد زي ده!”
أنا دموعي نزلت وقلت له:
* “أنا ما أسيتش! أنا رفضت عرسان بالكوم عشانك، بس العمر بيجري وبنتي كبرت، وأمي كبرت وما بقتش حمل مسؤلية.. كنت فاكرة إني بأمن بنتي، أتاري اتجوزت اللي كان هيدمرها!”
شريف قام وقف، وقرب مني ووطى على الكرسي اللي قاعدة عليه، وبص في عينيا مباشرة وقال بنبرة هزت كياني كله:
* “اللي فات مات يا شيماء.. سعيد ده أمره انتهى، والورقة بتاعته هتوصلك.. بس السؤل المهم دلوقت.. خمس سنين عدوا، وبنتي كبرت، وأنا رجعت ومعايا كل اللي يقدر يعوضكم عن كل يوم قهر عاشتوه.. يا ترى شريف له مكان تاني في حياتكم؟ ولا أنا جيت متأخر؟”
#الكاتب_رومانى_مكرم_




