روايات وقصص

ثلاث ايام حكايات رومانى مكرم 1

بقالها ثلاث ايام على لحم  دخلت مطعم وقالت

لو سمحتى ممكن آكل من الاكل الى هيذيد من حضرتك؟

قبل ما إلهام ترد، ظهر سيد شيف الصالة ووشه مشدود.

يا أنسة، ما إحنا قيلنلك كذا مرة ما تخشيش هنا!

ومسكها من دراعها عشان يزقها بره.

السؤال نزل زي الصاعقة في وسط صالة أكل واحدة من أكبر السمطات والمطاعم الشهيرة في حي الحسين بالقاهرة، وعمل اللي كان مستحيل يحصل: سكت ييجي 40 واحد بياكلوا في نفس اللحظة.

الحاجة إلهام، صاحبة شركات مقاولات وعمارات تمنها بمئات الملايين، وقفت اللقمة في إيدها. قدام ترابيزتها كانت واقفة بنت عندها حوالي 25 سنة، جسمها خاسس وقليل قوي على الجلباب الواسع اللي لابساه، وفي رجلها شبشب دايب، وماسكة شنطة بلاستيك كبساها على صدرها.

ما كانتش بتطلب فلوس.

كانت بصتها كلها على عيش الترابيزة.

— بقالي 3 أيام على لحم بطني — همست البنت — لو هترموه، كنت بس بسأل.

قبل ما إلهام ترد، ظهر سيد شيف الصالة ووشه مشدود.

— يا أنسة، ما إحنا قيلنلك كذا مرة ما تخشيش هنا!

ومسكها من دراعها عشان يزقها بره.

— سيب إيدها — أمرت إلهام.

النبرة كانت حاسمة وتقيلة لدرجة إن سيد سابها في ساعتها.

من ترابيزة جنيهم، زبونة قالت بصوت عالٍ إن ده كلام ما يصحش، وإنها دفعت أكل وشرب عشان تقعد تروّق على حالها، مش عشان تاكل مع «ناس من الشارع».

إلهام اتلفتت لها.

— يبقى النهارده هتعرفي إن القرشين اللي بتدفعيهم ما يدوملكيش حق تهيني حد.

وبعدها شاغرت للغرسون: «هات كرسي تاني هنا».

البنت هزت رأسها بالرفض وهي مكسوفة ومكسورة.

— بلاش يا هانم.. أنا أصلًا ما أستاهلش كل ده.

الجملة دي دخلت شقّت قلب إلهام.

— ومين اللي أقنعك إنك ما تستاهليش؟

البنت ما ردتش.

كان اسمها روح. بقالها 8 شهور بتنام بين الأربطة وتكايات المساجد وغرف الإيواء. كانت بتدرس في كلية تربية بمنحة، بس عمرها ما كملت. مشكلة مع خطيبها القديم، وورّطها في ديون ماليهاش ذنب فيها، وشهور من الخوف والجرجرة في المحاكم انتهت بيها مرمية في الشارع، من غير أوضة تلمها، ولا شهادة، ولا بني آدم تسند عليه.

إلهام طلبت شوربة كوارع سخنة، وصينية سمك، وخضار، وعيش طالع من الفرن، وطاجن أم علي. روح مسكت المعلقة بإيديها الإثنين، ومع أول قطمة، عينيها اتملت دموع.

— بقالي زمن محدش بصلي على إني بني آدمة.

إلهام وّطت عينيها عشان تداري دموعها هي كمان.

وفجأة.. لمحت حسنة غمقة صغيرة تحت ودن روح الشمال.

حست بضربة ساطور في قلبها.

من 22 سنة، بنتها «أمل» قالولها إنها ماتت بسبب مضاعفات فجأة في مستشفى استثماري كبير في القاهرة. إلهام ملحقتش حتى تسلم عليها. جوزها «حسين»  من بعدها،  بعدها بسنين من حزنه عليها.

أمل كان عندها نفس الحسنة في نفس المكان.

إلهام حاولت تقنع نفسها إنها مجرد شباه.

لحد ما سألتها:

— أنتِ اتولدتي فين يا روح؟

روح هزت رأسها:

— معرفش.. أنا تربية مأوى أيتام مار جرجس في طنطا. رموني هناك وأنا حتة لحمة حمرا، وعمري ما عرفت مين أمي.

إزازت المية اترجت في إيد إلهام.

في نفس الليلة، في فيلتها في المنصورية، روح نامت لأول مرة من شهور على سرير نضيف وملاية ريحتها حلوة. أما إلهام، فما غمضلهاش جفن.

#الكاتب_رومانى_مكرم_

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى