
فتحت كرتونة مقفولة بقالها 22 سنة، طلعت صورة لأمل، ورفعت السماعة على مخبر خاص.
— عايزاك تقلبلي المستشفى دي، ومأوى طنطا، وتدوري على ممرضة كان اسمها «نعيمة».
وقبل ما تقفل، زادت:
— وما تنطقش بنص كلمة لروح.. مش دلوقت خالص.
عشان لو الظن ده طلع صح، يبقى في حد 22 سنة من عمرها وعمل من وجعها كذبة كبيرة.
بعد يومين من البحث الصامت، اتصل المخبر الخاص بإلهام وصوته فيه نبرة خطورة غير معتادة: «يا هانم، الخيط أتقل مما كنا متصورين. الدكتورة والممرضة اللي كانوا ماسكين حالة بنتِك من 22 سنة قفلوا ملف المستشفى وفتحوا بيه مركز طبي خاص في طنطا.. والمأوى اللي اتفرت فيه روح، ورائه نفس الاسم».
سقوط التليفون من إيد إلهام كان كفيل يهز أركان الفيلا، بس هي مسكت نفسها. بصت من شباك المكتب على الجنينة، شافت «روح» قاعدة على كرسي هزاز، لابسة فستان بسيط، ماسكة كتاب وبتقرأ بنهم وشغف كان مدفون تحت تراب الشارع. البنت ما كانتش مجرد مسكينة عاطفة عليها، البنت كانت حتة من روحها المفقودة، قطعة البازل اللي غابت 22 سنة وسابت حياتها خرابة.
إلهام قررت ما تظهرش أي حاجة لروح في الوقت الحالي. الصدمة ممكن تقتلها وهي لسه بتطرد أشباح الجوع والخوف من عينيها. خرجت لها الجنينة وبابتسامة مكسورة وقفت جنبها:
— بتأكلي الكتب أكل يا روح.. شكل التربية والتعليم لسه يجري في دمك؟
روح رفعت عينيها وبصت بإحسان وشكر، وقامت وقفت احتراماً:
— الكلام هنا غير يا هانم.. الحروف ليها طعم تاني لما تقرئيها وأنتِ مش خايفة إن حد ييجي يطردك من فوق الرصيف. بس أنا مقموصة من نفسي.. حاسة إني عالة على حضرتك، أنا عايزة أشتغل، أي حاجة في فيلتك أو شركتك، إن شاء الله تمسحي البلاط، المهم أكل لزمتي من عرقي.
إلهام مسكت إيديها الدافية، وضغطت عليها بحنية أم وتصرخ وتقولها “أنتِ بنتي”:
— مش قبل ما نصلح اللي اتكسر يا روح. ديونك القديمة، والقضية اللي طليقك وخطيبك الندل ورّطك فيها.. أنا هنسفها بكرة.
في صباح اليوم التالي، نزلت إلهام مع المحامي الخاص بتاعها على مجمع المحاكم. اتدفع كل مليم، واتفتحت الملفات المقفولة، وفي ظرف ساعات، كان خطيب روح القديم مقبوض عليه بتهمة التزوير والنصب، والتنازلات الخاطئة اللي دمرت حياة البنت. لما رجعت إلهام الفيلا وبشرتها إنها بقت حرة مية في المية، ومفيش كلمة دين واحدة عليها، روح وقعت على الأرض وشهقت بالبكاء.. بكاء طفل اتولد من جديد.
لكن المعركة الحقيقية كانت دارية بعيد عن عين روح.
في نفس الليلة، التقاطعات كانت بتكتمل. المخبر جاب لإلهام ملف أسود، جواه صور ومستندات تهز الجبال. المستشفى الاستثماري الكبير اللي أدعت موت «أمل» سنة 2004، كانت أداتها ممرضة اسمها «نعيمة»، تحت إشراف طبيب نساء وشيوخ المافيا الطبية المتخصصين في تجارة الأطفال لغير القادرين على الإنجاب، أو للابتزاز المالي.




