روايات وقصص

حكايات اسما 3

الفصل الثالث: الدكتور اللي كان ماسك علاجي

فضلت باصة لأخويا وأنا مش مستوعبة الجملة.

— الدكتور اللي بيعالجني… هو جوز ريم؟

هز راسه.

— أيوه.

حسيت إني مش فاهمة أي حاجة.

— طب سامح ليه قاللي إنها مراته؟

أخويا قعد جنبي.

— عشان يحميها.

ضحكت بمرارة.

— يحمينا من مين؟ من الحقيقة؟

قال:

— من جوزها.

سكت شوية.

وبعدين طلع كام ورقة من الملف.

— اسمه الدكتور فريد.

بصيتله.

عارفة الاسم طبعًا.

هو نفس الدكتور اللي كان متابع حالتي من أول شهر.

هادئ.

محترم.

دايمًا بيطمني.

ودايمًا يقول لسامح:

— خليها بعيدة عن أي ضغط نفسي.

قلت:

— وبعدين؟

أخويا قال:

— ريم متجوزاه من حوالي سنتين.

— وسامح مخبي عليا إن عنده أخت ليه؟

قال:

— دي قصة قديمة بين أبوه وأمها. سامح كان بيحاول يبعد المشاكل عن حياتكم.

قلت:

— طب والطفل؟

أخويا سكت.

قلت:

— أبو الطفل الدكتور فريد؟

قال:

— أيوه.

حاولت أربط كل حاجة ببعضها.

قلت:

— وريم هربانة منه ليه؟

أخويا بصلي وقال:

— لأنها اكتشفت حاجة تخصك.

قلبي وقف.

— تخصني أنا؟

طلع فلاشة صغيرة.

حطها في إيدي.

— دي كانت معاها.

قلت:

— فيها إيه؟

— تسجيلات.

بصيتله.

— تسجيلات لإيه؟

قال:

— محادثات بين جوزها وبين حد من إدارة المركز.

حسيت رجلي بردت.

— بيتكلموا عني؟

— أيوه.

قلت:

— شغلها.

وصلنا الفلاشة بموبايل أخويا.

فتح أول تسجيل.

صوت الدكتور فريد.

واضح جدًا.

بيقول:

— الجرعات لازم تفضل زي ما هي.

صوت راجل تاني قال:

— بس التحاليل الأخيرة أحسن.

فريد رد:

— وأنا اللي بقرر.

الصوت التاني قال:

— لو حد راجع الملف هيلاحظ إن الجرعة محتاجة تعديل.

سكت فريد.

وبعدين قال:

— محدش هيراجع حاجة طول ما الزوج موافق.

جسمي اتنفض.

قلت:

— سامح موافق؟

أخويا قال:

— استني.

شغل التسجيل التاني.

الصوت التاني:

— وجوزها بدأ يشك.

فريد:

— سامح مش غبي.

— ونعمل إيه؟

— نخليه يصدق إن حالتها .

رفعت عيني لأخويا.

— يعني إيه؟

قال:

— كملي.

فريد كمل:

— طول ما هو مذعور، مش هيجادل في قرارات العلاج.

قفل أخويا التسجيل.

أنا كنت مش قادرة آخد نفسي.

قلت:

— يعني أنا… كنت باخد علاج مش مناسب؟

قال بسرعة:

— لسه مش عارفين. ومش لازم نفترض حاجة قبل ما أطباء تانيين يراجعوا الملف.

ودي أول مرة حسيت إن وسط الجنون كله فيه حد بيحاول يفكر بعقل.

قلت:

— طب ليه فريد يعمل كده؟

أخويا قال:

— عشان سامح.

— سامح عمل له إيه؟

قال:

— كان ماسك عليه قضية فساد قديمة.

سكت.

— سامح كان شغال مع شركة بتراجع حسابات مركزه من سنين. واكتشف تلاعب مالي كبير. لكنه ساب الشغل قبل ما الموضوع يكتمل.

قلت:

— وهو قرر ينتقم مني؟

قال:

— الظاهر إن الموضوع بدأ انتقام من سامح… وبعد كده بقى أخطر.

رجعت ضهري — لأ.

— طب ليه فضل ساكت على تغير حالتي؟

— لأنه صدق الدكتور.

غمضت عيني.

افتكرت سامح وهو قاعد جنبي.

سرحان.

خايف.

ساكت.

مش بعيد عني.

بس ذنب من نوع تاني.

ذنب راجل حاسس إنه مش قادر ينقذ مراته.

قلت:

— عايزة أشوف سامح.

دخل بعد عشر دقايق.

بصلي بحذر.

قلت:

— اقفل الباب.

قفله.

قلت:

— ريم أختك؟

وشه اتغير.

عرف.

عرف إن الستار وقع.

قال:

— أيوه.

قلت:

— وفريد جوزها؟

— أيوه.

— وليه قولتلي إنها مراتك؟

قعد قدامي.

— عشان لو فريد عرف إنها عندي، كان هيوصل لها.

قلت:

— وكنت لازم تجرحني علشان تحميها؟

نزل عينه.

— أنا غلطت.

— غلطت؟

ضحكت.

— أنا كنت خارجة من غيبوبة وسألتك دي مراتك؟ قولت أيوه.

قال:

— كنت خايف تتكلمي قدام حد. كنت خايف الخبر يخرج.

— فقررت تكسرني؟

دموعه نزلت.

— أيوه… وأنا مش هسامح نفسي على ده.

قلت:

— والست اللي جاتلي جلسة الكيماوي؟

قال:

— مش ريم.

— عارف.

رفع عينه.

— مين كانت؟

قلت:

— قالت إنها أخت الست اللي اتجوزتها.

سامح سكت.

وبعدين قال:

— ندى… ريم ملهاش أخت.

اتجمدت.

الفصل الرابع: الست اللي مالهاش اسم

خرجت من المستشفى بعد أيام.

لكن خروجي المرة دي ماكانش رجوع للبيت.

كان بداية حرب.

أول حاجة عملناها إننا نقلنا ملفي لمركز تاني.

ثلاث أطباء راجعوا حالتي من أولها.

والخبر اللي سمعته هناك خلاني أعيط لأول مرة من الفرح والخوف مع بعض.

الدكتور الجديد قال:

— حالتك محتاجة علاج ومتابعة، لكن الصورة مش بالسوء اللي اتقال لكم.

بصيت لسامح.

هو غمض عينيه.

وسجد لله في نفس المكان تقريبًا من شدة الارتياح.

الدكتور كمل:

— هنراجع كل الجرعات السابقة، ونعدل الخطة حسب التحاليل الحالية.

طلعت من عنده وأنا لأول مرة من شهور حاسة إن الموت مش واقف على بابي.

لكن السؤال فضل:

مين الست؟

سامح استعان بمحامي.

وراجعنا دخول وخروج المركز يوم جلسة الكيماوي.

مفيش اسمها.

مفيش بطاقة.

مفيش تسجيل واضح.

لحد ما ريم وصلت عندنا.

كانت مرعوبة.

وقالت:

— أنا شفت وصفها قبل كده.

بصينا لها.

طلعت صورة من تليفونها.

صورة قديمة في فرحها.

في الخلفية ست واقفة بعيد.

نفس الملامح تقريبًا.

قلت:

— هي.

ريم قالت:

— اسمها داليا.

سامح سأل:

— مين داليا؟

ريم قالت:

— ممرضة كانت شغالة مع فريد زمان.

قلت:

— وليه جاتلي؟

ريم قالت:

— لأنها كانت بتكرهه.

طلع إن داليا اتفصلت من المركز بعد ما اعترضت على شغل داخلي مش واضح.

وعندها مستندات.

لكن بدل ما تبلغ رسميًا…

اختارت أسوأ طريقة.

جاتلي وأنا في أضعف وقت.

وقالتلي نص الحقيقة.

وسابت الباقي يخنقني.

سامح قدر يوصل لها بعد أيام.

قابلناها في مكتب المحامي.

أول ما دخلت، بصيتلها.

نفس الست.

قلت:

— ليه عملتي فيا كده؟

قالت:

— كنت فاكرة إني بحذرك.

قلت:

— إنتِ موتيني من الخوف.

نزلت عينيها.

— أنا آسفة.

قلت:

— قلتِ إن سامح اتجوز.

قالت:

— كنت أعرف إن في ست مستخبية عنده.

— فافترضتي إنها مراته؟

سكتت.

قلت:

— وقلتِ إنه مستني موتي.

قالت:

— سمعت فريد بيقول الكلام ده.

سامح قال:

— فريد قال إن أنا مستني موتها؟

قالت:

— لأ.

سكتت.

— قال إن “جوزها مش هيستحمل كتير، ولما تيأس الأمور هتخلص لوحدها”.

قلت:

— وإنتِ حولتي ده إنه مستني موتي؟

داليا بدأت تعيط.

— كنت بكرهه… وكنت شايفة كل اللي حواليه وحش.

سامح وقف.

قال للمحامي:

— كل اللي عندها يتسلم رسمي.

ومن اللحظة دي الموضوع بقى قضية.

مش حكاية بيت.

ولا خيانة.

ولا شك.

قضية كاملة.

الفصل الخامس: اللي حصل لفريد

ماحبش أدخل في تفاصيل محاكم وتحقيقات كتير.

لكن اللي حصل إن كل الملفات اتراجعت.

الجرعات.

التقارير.

المعاملات المالية.

وتسجيلات ريم.

وشهادة داليا.

وشهادة أطباء تانيين.

وتم إيقاف فريد عن العمل أثناء التحقيق.

أما ريم، فطلبت الطلاق رسميًا.

سامح وقف جنبها.

لكن المرة دي…

أنا كنت عارفة.

مفيش أسرار.

مفيش “بحميكي”.

مفيش قرارات من ورايا.

قلتله:

— لو هتساعد أختك، تساعدها قدامي.

قال:

— حاضر.

قلت:

— ولو في خبر يخص علاجي، أعرفه قبلك.

قال:

— حاضر.

قلت:

— ولو في حاجة تخوفني… ماتخبيهاش.

بصلي.

— حاضر.

لكن كان لسه في حاجة بينا مكسورة.

الجواز مش بيرجع بكلمة حاضر.

الأمان لما يقع، محتاج وقت.

سامح كان يحاول يقرب مني بالكلام.

وأنا كنت بعيدة.

مرة قال:

— ندى، أنا حاسس إنك سامحتيني على كل حاجة إلا حاجة واحدة.

قلت:

— إيه؟

قال:

— إني قولتلك ريم مراتي.

سكت.

قال:

— أنا عارف إن دي أكتر حاجة كسرتك.

قلت:

— لأنها في اللحظة دي خلتني أحس إن مرضي خلاني سهلة الاستبدال.

سامح بدأ يعيط.

قلت:

— أنا كنت فقدت شعري.

طاقتي.

رغبتي.

إحساسي إني ست كاملة.

كنت محتاجة منك كلمة أمان.

إنت ادتني سكينة.

قال:

— حقك.

قلت:

— أنا مش عايزة اعتذار بس.

— عايزة إيه؟

قلت:

— عايزة أصدق تاني.

ومن هنا بدأ أصعب علاج.

مش علاج السرطان.

علاج علاقتنا.

شاف التوتر.

ورجع خطوة.

قال:

— مش لازم.

بصيتله.

قال:

— أنا مش مستني منك تثبتيلي حاجة.

وقتها عيطت.

أول مرة من شهور ماحسش إن في طلب.

ولا انتظار.

ولا مقارنة بالماضي.

بس أمان.

قعد جنبي.

مسك إيدي.

وفضلنا ساكتين.

ودي يمكن كانت أول ليلة بينا ترجع فيها العلاقة فعلًا…

من غير ما يحصل أي شيء.

رجع بينا الأمان الأول.

وبعده كل حاجة بدأت ترجع بطريقتها.

بعد حوالي سنة…

كنت واقفة قدام نفس مركز العلاج الجديد.

خلصت متابعة.

والدكتور ابتسم وقال:

— النتائج مطمئنة جدًا.

طلعت برا.

سامح كان مستنيني.

أول ما شافني قام.

قلت:

— كويسة.

حط إيده على وشه.

وبكى.

ضحكت.

قلت:

— كل مرة هتعيط؟

قال:

— كل مرة.

روحنا البيت.

ريم كانت بدأت حياة جديدة بعد الطلاق.

وأبو طفلها فضل مسؤول عنه بحكم القانون، لكن حياتها بقت بعيدة عن أذاه وسيطرته.

وفريد؟

اتحاسب على اللي ثبت عليه.

وداليا شهدت في التحقيق.

أما أنا وسامح…

ما رجعناش زي الأول.

ودي الحقيقة.

رجعنا بشكل تاني.

أهدى.

أصدق.

وأقل اندفاعًا.

سامح ماعادش يقولي:

“أنا مكتفي بيكي عن ستات الدنيا.”

يمكن لأني بقيت مش محتاجة الجملة.

بقيت محتاجة أفعال.

وفي ليلة، بعد ما الولاد عند أمي والبيت هادي، بصلي وقال:

— فاكرة لما كنتِ بتقولي إنك مبقتيش الست اللي اتجوزتها؟

قلت:

— فاكرة.

قال:

— فعلًا.

بصيتله.

ابتسم.

— إنتِ مبقتيش هي.

اتضايقت للحظة.

لكنه كمل:

— إنتِ أقوى منها.

دموعي نزلت.

قلت:

— وأنا مش عايزة أبقى قوية طول الوقت.

قرب ومسح دموعي.

— ولا لازم.

قلت:

— عايزة أبقى ست عادية.

ضحكت.

— أزعل، أتعب، أحب، أرفض، أفرح… من غير ما أحس إني ناقصة.

قال:

— وإنتِ عمرك ما كنتِ ناقصة.

بصيتله.

وقلت:

— الكلمة دي لو كنت قولتها من سنة يمكن ماكنتش صدقتها.

— ودلوقتي؟

ابتسمت.

— دلوقتي مش محتاجة حد يقولها.

لأني عرفت بنفسي.

أنا مش شعري.

ولا جسمي.

ولا قدرتي على إرضاء جوزي.

ولا مرضي.

ولا علاجي.

أنا ندى.

والسرطان أخد مني حاجات كتير…

لكن بعد ما حاول ياخد مني إحساسي بنفسي،

رجعت أخده منه.

وعرفت إن الست مش بتبقى “كاملة” عشان جسمها سليم.

ولا ناقصة لما تمرض.

ولا قيمتها في إنها تفضل طول الوقت نفس الزوجة اللي كانتها قبل التعب.

وفي آخر الليل…

سامح قاللي:

قال:

— ضحكتك.

ضحكت.

فقال:

— أهي رجعت.

بصيت له.

وقولت:

— أيوه.

رجعت.

بس المرة دي…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى