
ساد الصمت في الأوضة، والكلمة طلعت من شريف هزت أركان البيت وأركان قلبي معاها. أمي كانت بتبصلنا بدموع محبوسة وهي بتدعي في سرها، وجنى كانت نايمة في حضني زي الملاك، مش حاسة بالبركان اللي بيتفجر بيننا.
أنا بصيت لشريف.. عينيه كانت مليانة رجاء وشوق، بس في نفس الوقت فيها ثقة الراجل اللي عارف هو عاوز إيه. بلعت ريقي بالعافية وقلتله بصوت مرتعش:
* “جيت متأخر يا شريف؟! أنت جيت بعد ما قلبي اتكسر ألف مرة.. بعد ما استنيتك خمس سنين وأنا بقول بكرة يرجع، بكرة يفتكر إن ليه ست وبنت سابهم في مهب الريح.. ولما يأست وغصبت على نفسي عشان أحمي بنتي، دخلت بيتي وجبتني من وسط النار.. عاوزني أقولك إيه دلوقت؟!”
شريف قعد على ركبته قدامي على الأرض، مسك إيدي اللي كانت بتترعش بكل حنية، ولأول مرة أشوف دموع في عينين شريف.. الراجل اللي كنت فاكراه جبل ما بيهتزش:
* “حقك عليا يا شيماء.. حقك على راسي وفي رقبتي لحد ما . أنا غلطت لما طولت الغيبة، وغلطت لما افتكرت إن الفلوس اللي ببعتها كل شهر هي اللي هتطمنك.. بس وعهد الله ما نسيتك دقيقة، ولا غابت صورتك أنتِ وجنى عن عينيا في غربتي. أنا كنت بطحن نفسي برة عشان أرجع باللي يخليكِ مرفوعة الراس وما تحتاجيش لأي مخلوق في الدنيا.”
أمي اتدخلت بصوتها المبحوح وقالت:
* “يا بنتي.. شريف شاريكِ، وما صدق سمع إنك في ضيقة وجالِك طيران.. المسامح كريم يا شيماء، والعمر فيه كام خمس سنين تانيين هضيعوهم في العناد؟”
قبل ما أرد، التليفون في جيب شريف رن.. بص في الشاشة وملامحه اتحولت للجدية والصرامة. قام وقف ورد بسرعة:
* “أيوة يا محامي.. عملت إيه؟.. ممتاز، المأذون يجهز الورق، ورجالة المكتب يروحوا لسعيد ياخدوا الإقرار بالمعروف وإلا الملف يروح للنيابة فوراً.”
قفل شريف السكة وبصلي وقال بثبات:
* “سعيد خلاص.. الموضوع منتهي، وورقة طلاقك هتكون عندك قبل ما الشمس تغرب النهاردة، وكل حقوقك والمؤخر هتوصلك لحد عندك بالمليم.. مش هسيبلك عنده قشة واحدة.”
في نفس الليلة، وبعد ما الورق جه واستلمت ورقة طلاقي من سعيد ورجعت على ذمة نفسي، كان البيت هادي أوي. أمي دخلت تنام، وجنى كانت نائمة في سريرها بعد ما شريف قعد جنبها ساعة كاملة يحكيلها حكايات عن فرنسا ويلعب في شعرها لحد ما غفلت في حضنه لأول مرة في حياتها.
خرج شريف من أوضة جنى، ولقاني واقفة في الصالة بصلة للشباك وسرحانة في المجهول. قرب مني ببطء وحط إيده على كتفي:
* “سرحانة في إيه يا شيماء؟”
ألتفت له وقلتله بوجع:
* “خايفة يا شريف.. خايفة نرجع فنكتشف إننا اتغيرنا، إن الخمس سنين بنوا حيطة بيننا مش هنسرف نهدمها.. خايفة تكون راجع عشان جنى وبس.”
شريف حط إيديه الإثنين على وشي، وبص في عينيا بكل الصدق اللي في الدنيا وقال:
* “جنى بنتي وحتة مني.. بس أنتِ يا شيماء شيماء.. حب عمري اللي ما اتغيرش ولا هيتغير. أنا مش هضغط عليكِ، ولا هطلب منك ترجعيلي بكرة.. أنا شريت شقة جديدة في نفس الشارع هنا، وجاهزة من كل حاجة.. هتقعدي أنتِ وأمك وبنتي في عزكُم وكرامتكُم، وأنا هفضل أثبتلك كل يوم إن شريف بتاع زمان لسه باقي عليكِ.. لحد ما تحسي بالحب والأمان وترجعي لبيتك وزوجك بكامل إرادتك.”
دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع راحة.. حسيت إن الجبل اللي كان شايلاني فوق صدري انزاح. شريف وطى على إيدي طبع عليها بوسة طويلة، وأخد شنطته واستأذن عشان يمشي ويسيبنا نرتاح.
وقف عند الباب، وبصلي ابتسامة دافية وقالي:
* “تصبحي على خير يا أم جنى.. وبكرة أحلى بكثير.”
قفلت الباب ورااه، ولأول مرة من خمس سنين حطيت إيدي على قلبي وحسيت إنه بدقاته بيرجع يعيش من تاني.. بس هل يا ترى سعيد هيسيبنا في حالنا بعد ما شريف كسره بالملف اللي معاه؟ ولا القصة لسه فيها مفاجأة أخيره قبل ما نجمع شملنا؟!
#الكاتب_رومانى_مكرم_




