
عدت ليلة هادية على البيت، ليلة كانت أرحم وأحن ليلة تمر عليا من خمس سنين كاملين. قمت الصبح على ريحة طعمية وسلطة، وضحكة جنى وهي بتلعب في الصالة.. بصيت من باب الأوضة، لقيت شريف جايب الفطار وقاعد على الأرض بيلعب مع بنته وأمي قاعدة على الكنبة بتدعديلهم ووشها منور.
أول ما شريف شافني، قام وقف وابتسم ابتسامة مليانة رجولة ودفا وقال:
* “صباح الخير يا شيماء.. الفطار جاهز، ولازم تفطري عشان وراكِ مشوار مهم النهاردة.”
بصيت له بحيرة:
* “مشوار إيه يا شريف؟”
شريف مسك إيدي وقالي بثبات:
* “مشوار شقتنا الجديدة.. الشقة باسمك أنتِ وجنى، عاوزك تروحي وتشوفيه، وإذا كانت ناقصة قشة واحدة نكمله فوراً.”
في نفس اللحظة.. جرس الباب رن. كلنا سكتنا، ورجع الخوف يقرص في قلبي تاني.. افتكرت سعيد وغله. شريف بصلي بثقة ومسح على كتفي وقال: “ما تخافيش طول ما أنا واقف على رجلي.”
فتح شريف الباب، ولقينا المحامي بتاعه واقف، ومعه راجل تاني شايل مظروف كبير. المحامي ابتسم وقال:
* “صباح الخير يا شريف بيه.. أستاذ سعيد نفذ كل الشروط وبصم على ورقة التنازل عن أي حق، واستلمت منه مؤخر الصداق والمتأخرات بالكامل، والموضوع اتقفل تماماً ومحدش يقدر يفتح بؤه بربع كلمة، والملف اللي كان يدينه اتقفل للأبد.”
أنا اتنفست الصعداء، وحسيت إن كل القيود والأغلال اللي كانت كتفاني في عيشتي مع سعيد اتكسرت ووقعت على الأرض. سعيد بقى ماضي وانتهى من حياتنا بلا رجعة.
شريف أخد المظروف وسلّمه لإيدي، وقال قبال أمي وبنتي:
* “حقك ورجعلك يا شيماء.. ودلوقتي ما بقاش فيه أي حاجة في الدنيا تقف بيننا أو تفرقنا تاني.”
جنى جرت عليا ومسكت في جلابيتي، وبعدين مسكت إيد شريف وجمعت إيدينا ببعض ببراءة وأناقتها الطفولية وهي بتقول:
* “بابا.. أنت مش هتسافر تاني وتسيبنا صح؟”
شريف نزل على ركبته وأخدنا إحنا الاثنين في حضنه.. حضن دافي ضم وجع الخمس سنين، ومسح دموع القهر والخوف. بصلي في عينيا وقال بصوت مليان شوق وصدق:
* “ولا يوم واحد يا قلب بابا.. الغربة انتهت، وحياتنا الحقيقية تبدأ من النهاردة.”
أنا بصيت لشريف، وشوفت في عينيه الراجل اللي استنيته وقاسي عشان ألاقيه، الراجل اللي حماني وحمى بنتي وصان كرامتنا. بتسمت من كل قلبي وقلت له:
* “حمداً لله على سلامتك يا شريف.. بيتك ومكانك مستنيينك من خمس سنين.”
وتجمعت عيلتنا الصغيرة من تاني، وأدركت إن مهما تقلت الأيام وضاقت الدنيا، الحق بيعود، واللي لينا نصيب فيه وعوض من ربنا.. هيرجع لحد باب بيتنا في الوقت المناسب.
#الكاتب_رومانى_مكرم_




