عام

حكايات منال 3

“اسمعوني كلكم. البيت ده بيت عيلة، يعني بيت احترام وتعاون. من النهاردة، محدش من الكبار ولا الصغيرين مطالب ينزل عشان ينضف أو يطبخ.”

“أنا وأمكم هنجيب ست تساعدنا في تنظيف الشقة والسلم كل أسبوع، وندفع لها أجرها. والأكل نعمله على قدنا أو نجيبه جاهز.”

سكت شوية، وبص لشيماء بجدية وقال:

“وإنتي يا شيماء، طالما اخترتي من أول يوم إن مالكيش دعوة بنظام بيت العيلة، يبقى تقعدي في شقتك مرتاحة. تنزلي تسلمي عليا وعلى أم أحمد وتطلعي. مالكيش دعوة بمريم نزلت ولا ما نزلتش، طبخت ولا ما طبختش، ولا مين ساعد ومين نظف.”

وبعدين بص لإبراهيم وقال:

“خد مراتك واطلعوا شقتكم، وما أسمعش صوت حد فيكم تاني النهاردة. وإياك أشوفك مختلف مع أخوك الكبير بالشكل ده تاني.”

إبراهيم هز رأسه بخجل، وبص لأحمد بعتاب واعتذار وقال بصوت واطي:

“حقك عليا يا أحمد، حقك عليا يا أخويا.”

أحمد طبطب على كتف إبراهيم وقال له:

“حصل خير يا إبراهيم. المهم كل واحد يعرف حدوده، وكل واحدة تحترم التانية.”

طلعت شيماء وإبراهيم على شقتهم، والهدوء رجع للمكان.

الحاج بص لأحمد وليا وقال بابتسامة خفيفة:

“خد مرتك وادخلوا شقتكم يا أحمد، وربنا يهدي سركم يا ولادي.”

بعد ما نزل الحاج وحماتي، قفلنا باب الشقة.

الصالة كانت هادية وساكنة، وصوت أنفاسي بدأ يرجع لطبيعته.

قعدت على الكنبة وأنا حاسة بإرهاق شديد، كأني كنت في يوم طويل جدًا، لكن جوايا راحة ما حسيتش بيها من سنين.

راحة إن حقي اتفهم، وإن جوزي وقف جنبي، وإن الحدود بين كل الناس اتحددت من غير ما أظلم حد ولا أسمح لحد يظلمني.

أحمد قعد جنبي، ومسك إيدي بين إيديه وقال بحنان:

“تعبتي يا مريم؟”

ابتسمت له من قلبي وقلت:

“التعب بيروح يا أحمد لما تحس إنك مقدّر، وإن أصلك وطيبتك ما اتفهموش غلط على إنهم ضعف.”

مسك إيدي وقال لي:

“من النهاردة كل حاجة هتتغير. محدش هييجي على حقك، ولا إنتي هتيجي على صحتك وراحتك عشان ترضي حد.”

“اللي هيتعمل بعد كده هيتعمل بالود والرضا، مش بالإجبار ولا بالضغط.”

ومن اليوم ده حياتي اتغيرت تمامًا في بيت العيلة.

شيماء بقت في حالها وشقتها، وأنا في حالي وشقتي، والسلم بقت تيجي ست تساعد في تنظيفه كل أسبوع.

وبقيت أنزل لحماتي وحمايا لما أحب وبنفسي، أعمل لهم الأكل بحب، وأساعدهم من قلبي، لأن المساعدة لما تكون باختيارك بتبقى راحة ومحبة، مش حمل.

وحماتي بقت تقدرني أكتر، وكل ما تشوفني طالعة أو نازلة تدعيلي وتقول لي قدام الكل:

“ربنا يبارك لي فيكي يا مريم يا بنت الأصول، إنتي البركة الحقيقية بتاعة البيت ده.”

واتعلمت من الدرس ده إن السكوت على حقك، أو السكوت على عدم التقدير، مش دايمًا معناه إنك بتعملي الصح.

وأحيانًا لازم تحط حدود واضحة، مش عشان تبعد عن الناس، لكن عشان تحافظ على كرامتك، وعلى الحب والاحترام اللي بينك وبينهم.

تمت.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى