روايات وقصص

حكايات منى 1

الخوف ده شعور بيحسه الإنسان لما يكون عنده حاجة خايف يخسرها، وأنا في الدقايق اللي فاتت دي، خسرت كل حاجة خسرت الخمس سنين، وخسرت عمري، وخسرت فكرة الراجل السند اللي بنيت عليه دنيتي.

حماتي، اللي كانت قاعدة ومفروشة بضحكتها وفستانها الدهبي، وشها احتقن بالدم من الغيظ، عينيها طلعت شرار، وقامت وقفت بسرعة عشان تداري بنت أختها في ضهرها، وقربت مني بخطوتين سريعتين وهي بتهمس بصوت واطي ومسنون زي الموس

إيه اللي جابك هنا يا مقصوفة الرقبة؟! اتجننتي في عقلك؟! جاية تبوظي فرحة ابن عمك وأخو جوزك؟! ارجعي بيتك فورًا قبل ما أدفنك مكانك!

بصيت لها من فوق لتحت. الست اللي شيلتها على كتافي لما وقعت مكسورة الحوض، الست اللي كنت بغير لها هدومها وبغسل لها رجليها بمية دافية كل ليلة وهي بتدعي لي بالستر، دلوقتي واقفة بتبصلي كأني حشرة غريبة داست على طرف سجادتها.

ابتسمت.

ابتسامة باردة وهادية، من النوع اللي يجنن اللي قدامك ويهد حيله.

مردتش عليها هي، وجهت كلامي لحسام، بصوت واضح، مش عالي بالصريخ، بس صوت رزين ومسموع، هز القاعة كلها

مالك يا عريس؟ اتخضيت ليه؟

حسام بلع ريقه بصعوبة، حاول يلم نفسه، وبدأ يبص حواليه يلاقي المعازيم كلهم ساكتين ومركزين، والهمهمات بدأت تعلى في أركان القاعة زي طنين الدبان

مش دي مراته الأولانية؟ هي مش كانت تعبانة في السرير وموافقة على الجوازة؟ أومال جاية بشكلها ده ليه؟ شكلها مكنتش تعرف!

الكلام كان بيلف القاعة، والناس بدأت تتهامس وتبص لبعضها بنظرات فيها استغراب وفضول.

حسام حس بالأرض بتنسحب من تحت رجليه.

قرب مني خطوة وهو بيحاول يبان مسيطر، مد إيده عشان يمسك دراعي ويسحبني برة التربيزة

تعالي معايا يا نور تعالي في الطرقة برة نتكلم بالراحة، ده مش وقته، والناس بتبص علينا. عيب عليكي تعملي فيا كده في وسط الناس!

سحبت إيدي من قبضته بقوة وعزة عمري ما حسيت بيهم قبل كده.

بصيت على إيده اللي لمستني بقرف، ورجعت بصيت في عينيه وقلت له بجمود

إيدك متمسنيش تاني أبدًا يا حسام. وبعدين عيب على مين؟ على اللي جت تبارك لجوزها، ولا على اللي اتفق مع أمه عشان يبيع مراته ويدوس على كرامتها في قاعة مليانة خلق الله؟

في اللحظة دي، المأذون اللي كان قاعد على نفس التربيزة ومستني دوره بعد ما خلص كتب كتاب أخوه الصغير، عدل نضارته الطبية وبص بحيرة للحضور ولدفتره، وقال بصوت حذر

استهدوا بالله يا جماعة خير في إيه؟ هو مش كان الاتفاق إن الزوجة الأولى مريضة ومطلوبة منها موافقة موثقة، والعروسة التانية جاهزة لعقد القران؟

الكلمة كانت زي الكرباج.

موافقة موثقة!

يعني مكنوش بس ناويين يتجوزوا، دول كانوا مزورين كمان غيابي، ومطلعين للناس صورة الست الراضية المريضة اللي سامحة لجوزها يعيش حياته!

بصيت للمأذون، وبصوت مليان ثبات قلت له

الزوجة الأولى واقفة قدام حضرتك بكامل صحتها وعقلها يا سيادة المأذون والزوجة الأولى مفيش حد بلغها بحرف واحد عن المزاد اللي معمول عليها ده.

بنت خالته، اللي كانت قاعدة ومتمكيجة ومجهزة نفسها كأنها هانم، قامت وقفت فجأة، ووشها أحمر من الإحراج والغيظ. صوتها طلع عالي وهي بترد

ما تلمي نفسك بقى يا نور! إنتِ جاية تطلعي نقصك علينا هنا ليه؟! ما تفهمي بقى! راجل وعايز يعيش، عايز عيل يشيل اسمه بدل الفضا اللي عايش فيه معاكي بقاله سنين! حسام من حقه يجيب عيال، وإنتِ مبتخلفيش ولا بتجيبي عيال، هتفضلي حارماه لحد إمتى؟! مش كفاية إنه صابر عليكي ومطلقكيش وسايبك في بيته كتر خيره؟!

القاعة كلها شهقت.

المعازيم كلهم ثبتوا عينيهم عليا مستنيين يشوفوا رد فعلي.

فاكرين إن الكلمة دي هتكسرني.

فاكرين إن موضوع الخلفة هو الحبل اللي رابطين بيه رقبتي بقالهم سنين، واللي بيذلوني بيه كل يوم صبح وليل.

حسام اتنهد كأنه استرجع شوية من شجاعته ورا كلام بنت خالته، وعدل جاكت بدلته الملطخ بالشربات، وبصلي بجمود وقال

سمعتي؟ هي مقالتش حاجة غلط. أنا راجل وعايز ولد يا نور. صبرت خمس سنين وقولت بكره تفرج، لكن كفاية لحد كده! أنا مغلطتش في شرع ربنا، الشرع حلل أربعة، وأنا هتجوز على سنة الله ورسوله، ومقصرتش معاكي في أكل ولا شرب ولا سكن. كبري عقلك بقى وارجعي بيتك، وبطلي الفضيحة اللي إنتِ عملاها لنفسك دي، عشان لو خرجتي من باب القاعة دي غضبانة مش هترجعي على زمتي تاني!

التهديد كان طالع من بقه بمنتهى الثقة، كأنه ضامن إني هموت لو سابني.

فاكرني نور الغلبانة، اللي كانت بتتبكي لو علا صوته عليها، اللي كانت بتترجاه يرضى عنها عشان البيت ميتخربش.

مشيت خطوة لقدام، وبقيت على بعد شبر واحد منه.

ريحة البرفان الرخيص اللي غرق بيه نفسه كانت خانقة.

بصيت في عينيه من غير ما أرمش، وضحكت ضحكة طويلة هادية، رنت في القاعة كلها وخلت شعر إيده يقف.

سكت، والضحكة نزلت من على شفايفي لتحل محلها نظرة كلها جبروت عمري ما خرجته

شرع ربنا يا حسام؟ إنت بتعرف شرع ربنا؟

أمه هجمت عليا بصوتها العالي وهي بتزعق قدام الناس عشان تلحق ماية وشهم

متتكلميش مع ابني كده يا بت إنتِ! ده راجل وسيد الرجالة، وعاش معاكي بالحسنى لحد ما بطنك طلعت أرض بور، ودلوقتي بيعوض شبابه! امسكي لسانك واطلعي برة بالذوق بدل ما أفرّج عليكي أمن القاعة يرموكي في الشارع زي الكلاب!

لفيت ل حماتي، وشاورت بإيدي في وشها، وحركتي خلتها ترجع لورا خطوة غصب عنها

حسام مغلطش في الشرع؟ تمام بس حسام غلط في الكدب، وفي التزوير، وفي خيانة العشرة، وغلط في أكبر حاجة كان مستخبي وراها خمس سنين!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى