روايات وقصص

مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2

تجمد في عروقي وأنا شايف الإيد الشاحبة المكسية والتراب وهي ماسكة في حرف البلاطة بوهج مرعب. الخبط تحت الأرض كان بيزيد، والبلاطة الرخامية التقيلة بتتزق لفوق كأن اللي تحتها بيملك قوة جبارة مش بشرية.

المحقق تراجع خطوتين لورا، وجسمه كله كان بيتفض وهو رافع  بالإيدين الاتنين وصوته بيرن في السرداب المظلم:

مقالات ذات صلة

* اطلع برة الفتحة فوراً وإلا  أقسم بالله هفرغ الخزنة في !

لكن الكائن اللي تحت البلاطة مهتمش ب البلاطة اترفت بالكامل وانقلبت على جنبها بصوت رزع هز  والدش، وطار عجاج التراب  أنفاسنا. ومن الفتحة السودا المظلمة، بدأ يطلع جسم راجل طويل، هدومه كانت عبارة عن سماليل مقطعة ومتربة، شعره أبيض طويل ومحلوق جزئياً بشكل عشوائي، وذقنه نازلة لحد صدره.

لما وجه المحقق ضوء الكشاف القوي على وش الراجل ده، صرخت صرخة مكتومة وضغطت على إيد ياسمين جنبها.

وش الراجل كان مليان ندوب قديمة، وعينيه كانت مطفية بتعكس الضوء زي عينين القطط في الضلمة.. بس الملامح.. الملامح رغم كل السنين والعذاب اللي باين عليها، كانت ملامح أبويا! أبويا اللي  بأيدي من خمسطاشر سنة بعد العربية!

* أبوي؟.. – طلعت الكلمة من حسرتي وصوتي رايح – أبويا أنت حي؟ إزاي.. إزاي ده بيحصل؟!

الراجل وقف على رجليه ببطء شديد، عظام جسمه كانت بتطرق بصوت واضح مع كل حركة. بصلي بنظرة خالية من أي مشاعر، مفيش فيها أبوة، مفيش فيها حنية، مفيش غير فراغ مرعب، وصوته حشرج كأنه حباله الصوتية مصدية مفركهاش الهواء من سنين طويلة:

* حاتم.. كبرت يا حاتم.. بقيت شبهي قوي.

المحقق كان عرقانه مغرق وشه، بيتحرك ببطء وحذر  لسه موجه على صدر الراجل:

* محدش يتحرك! أنت مين؟! وإزاي  تحت الأرض هنا؟ والدكتور ده يقربلك إيه؟!

في اللحظة دي، ضحكة واطية وخبيثة طلعت من ورايا. لفت راسي ولقيت الدكتور عبد الحميد واقف بكل هدوء، حاطط إيديه في جيوب بدلته السمرا القديمة، وابتسامته الباهتة كانت بتتسع وتشق وشه بشكل ينشر القشعريرة.

الدكتور عبد الحميد بص للمحقق وقال ببرود:

* حط  في جرابه يا سيادة المحقق.. القوانين اللي أنت درستها في الكلية مفيش فيها بند واحد يغطيلك اللي بيحصل هنا. الراجل اللي واقف قدامك ده هو “سعيد المحروقي”.. والد حاتم. بس السرق اللي كان مستخبي مش إنه محبوس.. السر الحقيقي هو ليه طارق – حما حاتم – حبسه هنا طول السنين دي كلّه!

* اتكلم يا عبد الحميد! – صرخ المحقق وهو بيتنفذ بصعوبة – اتكلم بدل ما أصفيك أنت وهو هنا ونقفل الملف على كده!

الدكتور عبد الحميد خطى خطوة ناحية  اللي قاعدة عليه ياسمين، ومسد على شعرها الشاحب بحركة أبوبة مريبة، وواصل كلامه:

* من خمسطاشر سنة، سعيد وطارق كانوا شركاء في تجارة الأثريات والكتب القديمة. ولقوا في المقبرة المجاورة للبيت ده مخطوطة شيطانية قديمة.. مخطوطة بتقول إن اللي  سر تحت الأرض وبيحرسه  أقرب الناس ليه، بيقدر يتحكم في مصاير العيلتين! سعيد كان عايز يبيع المخطوطة ويصرف، لكن طارق كان أشرس منه.. طارق حبس سعيد هنا، وزيف  العربية، وأوهم العيلة كلها إن سعيد !

بصيت لأبويا وأنا مش قادر أستوعب الكلام، دموعي كانت بتنزل على وشي المترب:

* بابا.. الكلام ده صح؟ عمي طارق حبسك هنا طول العمر ده؟ وليه ياسمين قالت في التسجيل إنك “مش أبويا”؟!

الراجل اللي واقف قدامي – أبويا – لفت رأسه ناحيتي ببطء مرعب، وعينيه أتقلبت بوهج غريب وقال بحشرجة:

* عشان أنا فعلاً مش أبوك يا حاتم.. أنا القشرة اللي فضلت منه بعد ما السر أكل روحه! طارق مكنش بيحرسني في السرداب ده عشان خايف مني.. طارق كان بيغذيني بدم عيلته كل بضعة سنين عشان السحر ما يتفكش! وياسمين.. ياسمين كانت الضحية التالية!

المحقق صرخ بذهول: “ضحية إيه؟! ياسمين عايشة ونبضها شغال!”

الدكتور عبد الحميد ضحك بصوت أعلى المرة دي، وقال بنبرة مليانة تشفي:

* نبضها شغال؟ ههههه.. افتح عينك يا محقق! ياسمين مش في غيبوبة.. ياسمين روحها اتسحبت واتحطت جوة الكروت والتسجيلات اللي جاتلكم! ياسمين بقت الجزء الجديد من الحراسة! وطارق لما حس إن السر هيتكشف،  عشان المحكمة والشرطة يكتفوا بحاتم  فيكتمل الطقس  السر للابد!

فجأة، قبل ما المحقق يلحق يتصرف أو يستوعب الخرافة اللي بتتحول لحقيقة قدام عينيه، الشموع الأربعة اللي كانت  حوالين ياسمين انطفت كلها مرة واحدة!

الضلمة كتمت المكان، ومفضلش غير ضوء كشاف المحقق الضعيف اللي بيتهز في إيده.

في لحظة الضلمة دي، اتسمع صوت حركة سريعة جداً زي ! المحقق صرخ صرخة مكتومة، وصوت وقع على الأرض الرخام ورن في. لما ضوء الكشاف اتعدل  في زاوية ، شفنا الدكتور عبد الحميد ماسك المحقق من رقبته بإيد واحدة بس، ورافعه عن الأرض كأنه وزن ريشة!

* أنت.. أنت مين..؟ – المحقق كان بيحاول يتنفس ورجليه بتخبط في الهواء.

الدكتور عبد الحميد بصلي بعينين اتغير لونها للأسود الكامل، وقال بصوت يتكون من صوتين متداخلين:

* أنا مش عبد الحميد يا حاتم.. أنا اللي كتب المخطوطة.. وأنا اللي استنيت خمسطاشر سنة عشان أنت تجيب ياسمين وتيجي بنفسك للبيت ده!

رمى الدكتور عبد الحميد المحقق على الأرض بغل، المحقق رأسه خبطت في البلاط وفقد الوعي فوراً،  بدأ يسيل من جبينه ببطء.

بقيت واقف لوحدي في السرداب.. بين ياسمين الحية، وأبويا  اللي طالع من القبر، والكائن اللي لابس جسم الدكتور عبد الحميد.

الدكتور قرب مني بخطوات ثقيلة، وأبويا تحرك ووقف جنبه كأنه خادم مطيع له.

* حاتم.. – الدكتور قال بصوت  الجدران – السر المكتوب تحت الأرض كان محتاج  أنت.. ابن  في نفس الوقت. ياسمين عملت كل ده، وجريت ورا الخيط، وكتبت الرسايل بخط إيدها، وسجلت بصوتها وهي غايبة عن الوعي، عشان تقودك للمكان ده.. هي مكنتش  منك، هي كانت مجبورة تسحبك  دي!

دموعي جفت، والخوف الشديد في لحظة معينة اتحول لغضب وغل ملهوش حدود. بصيت لياسمين اللي قاعدة متصلبة، وبصيت لأبويا اللي نظراته ، وقربت خطوة ناحية المحقق المغمى عليه، وسحبت  من على الأرض بسرعة.

رفعت  في وش الدكتور عبد الحميد وإيدي كانت ثابتة المرة دي:

* رجعلي ياسمين.. ورجعلي أبويا.. وإلا أقسم بالله هفرغده في دماغك دلوقتي!

الدكتور عبد الحميد ابتسم ابتسامة شاسعة خلته يبان زي الشيطان، وخطى خطوة ناحيتي وهو مش خايف من إطلاقاً:

* اطلق يا حاتم.. اطلق، عشان تشوفاللي هيطلع من الجسم ده.. دم ياسمين اللي أنا سحبته، ولاأبوك اللي أنا حابسه، ولا  أنت اللي هيغرق السرداب!

وقبل ما ، ياسمين اللي كانت قاعدة  على الكرسي.. فتحت بؤها فجأة، وطلعت منها صرخة حادة ومش بشرية، وعينيها الاتنين بدأوا ينزلوا  أسود كأنه قطران، وجسمها بدأ يتنفض في الهواء ويرتفع عن الكرسي ببطء شائك!

في نفس اللحظة، الباب الخشبي اللي فوق السرداب اترزع بقوة، واتسمعت صرخات وأصوات خطوات إقدام كثيرة جاية من فوق البيت المهجور.. أصوات بشرية بتصرخ وبتقول:

الأرض تحت رجلينا بدأت تهتز، وصوت  وهي بتمسك في الخشب القديم فوق السرداب كان بيعلى بسرعة، والدخان الأسود بدأ ينزل من فتحة السقف يمتص الأكسجين من

الدكتور عبد الحميد بص لفوق وضحك بجنون، وأبويا مسك في كتفي بقوة جبارة وقال بحشرجة أخيره في وذني:

*  يا حاتم..  بالسر قبل ما القريّة كلها !

الدخان الأسود الكثيف بدأ يتسرب من فتحة السرداب زي تعابين  بتتلوى في الهواء. حرارة الحريق اللي شغال فوق كانت بتزيد في ثواني معدودة، وصوت طقطقة الخشب وهو بيتفحم فوق رؤوسنا كان يرعب، مع صرخات الناس برة وهي بتصيح بصوت واحد: ! ا بيت الشياطين!”

كنت واقف في النص،  في إيدي بيترعش، بين ياسمين اللي جسمها متصلب ومعلق في الهواء لأسود يسيل من عينيها، وبين أبويا اللي ماسك كتفي بقوة جبارة وعينيه بتبصلي بطلب استغاثة أخيرة، وبين الكائن اللي جوة جسم الدكتور عبد الحميد وهو بيضحك بقهقهة تهز جدران المكان.

* ارمي يا حاتم! – صرخ الدكتور عبد الحميد وصوته الشيطاني المزدوج يرن في الضلمة –  مش هترحَم حد، بس السر مش . السر هيعيش جوة  أنت!

أبويا زقني بقوة أسطورية ناحية الممر الضيق اللي يؤدي لسلالم الخروج، وهو بيصرخ بحشرجة  بتعكس في عينيه:

* أهـرب يا حاتم!! ياسمين خلاص راحت.. وأنا  من خمسطاشر سنة! ما تسيبهمش يمسكوك!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى