روايات وقصص

مراتي اختفت حكايات رومانى مكرم 2

قبل ما أستوعب كلامه، الدكتور عبد الحميد اندفع بنشاط مرعب ناحية أبويا، ومسكه من رقبته وزقه على الجدار الرخامي. البلاط اتكسر تحت جسم أبويا، وصوت صرخة ألم منه خرجت هزت قلبي. ياسمين في اللحظة دي وقعت من الهواء على الأرض الرخام بصوت رزع شديد، المسجل القديم اتكسر تحت جسمها، والشريط السلكي الملتوي خرج منه وسحبت الأرض قطرات الأسود اللي بتنزل من عينيها.

المحقق اللي كان واقع على الأرض غرقان في  بدأ يفوق، فتح عينيه بالكتير وبصلي وهو بيحاول يزحف:

مقالات ذات صلة

* حاتم.. .. اسحب ياسمين واطلع.. البيت بيقع!

الخيار كان بين ، أو إنها تكون النهاية قبل ما أفهم أي حاجة. جيريت على ياسمين، شلت جسمها البارد اللي كان زي الحجر على ذراعي. وزنها كان خفيف بشكل مريب، كأن روحها فعلاً اتسحبت منها ومفضلش غير الهيكل. بصيت للمحقق، مسكته بإيدي التانية وسحبته معايا بالعافية وهو بيساعدني برجل واحدة.

بصيت بصة أخيرة لورا.. شفت الدكتور عبد الحميد غارس إيديه في صدر أبويا، وأبويا بصلي بنظرة أخيره فيها ابتسامة ارتياح غريبة، وقال شفتيه بدون صوت: “السر في القرية القديمة.. ورا المحل.”

اندفعت أنا والمحقق وياسمين على السلالم الرخامية المكسرة وسط الدخان اللي بيخنق الرئتين. الجمر كان بينزل علينا من السقف الخشبي اللي  أكلت جدران الصالة فوق. خرجنا من باب البيت المهجور ونحنا بنكح ونتنفس بالعافية، ونزلنا على التراب برة.

أول ما خرجنا، اتفاجئنا بالمنظر!

عشرات من أهل القرية المهجورة، ماسكين مشاعل نار وشوم، وجوههم كانت مظلمة وملامحهم حادة وقاسية كأنهم مش بشر عاديين. كانوا وافقين في حلقة حولين البيت، وأول ما شافونا خرجنا، الصوت سكت تماماً وساد هدوء أرعب من  نفسه.

واحد من الكبار في السن، لابس جلابية بيضا متوسخة بالتراب ومبتور الصوابع في إيده اليمين، خطى خطوة للقدام وبص لياسمين اللي في حضني، وبعدين بصلي وقال بصوت جاف زي

* خرجت السر من تحت الأرض يا حاتم.. زي ما أبوك عمل من خمسطاشر سنة.. وزي ما حماك عمل من سنتين.

المحقق حاول يقف وهو ماسك جنبه اللي ، ورفع كارنيه الشرطة بقلة حيلة وصوت مجهد:

* أنا محقق في الشرطة.. ابعدوا عن طريقنا فوراً! العربية قدامنا، والبيت ده فيه

الراجل العجوز ضحك بصوت مكتوم، وأهل القرية اللي حوليه بدأوا يبتسموا بنفس الابتسامة الباهتة ة اللي كانت على وش الدكتور عبد الحميد!

* شرطة؟ هههه.. الشرطة ما تدخلش هنا يا سيادة المحقق. البيت ده من سنة 1995.. وأنت دخلت مع حاتم مكان ملهوش وجود غير في عقول اللي شايلين السر!

بصيت ورايا بذهول.. البيت اللي كنا جواه من لحظات، البيت اللي فيه سرداب وشمع وشيطان وأبويا.. مكنش بيت! كان مجرد أطلال مقبرة قديمة   من زمان، مفيش فيها غير جدران طين مكسورة وأعشاب ،  اللي كانت والعة مكنتش نار حقيقية.. كانت وهج أحمر خفيف بيختفي في الهواء زي السراب!

جسمي اتجمد من الرعب. المحقق وقع على ركبه وهو بيبص للأطلال ومش مصدق عينيه:

* إزاي.. إزاي ده حصل؟ إحنا كنا جوة بيت! إحنا نزلنا سرداب! أنا  على رأسي!

الراجل العجوز قرب مننا بخطوات بطيئة، وأشار بالشومة ناحية ياسمين:

* البنت دي مكنتش اختفت يا حاتم.. البنت دي أبوهّا جابها هنا بإيده من عشر أيام، وسلّم روحها للسر عشان يدفع ثمن السحر اللي بيحميه في البندر. حماك “طارق” مكنش على خلاف معاك.. طارق كان بيجهزك عشان تكون القربان الأخير. وهو دلوقتي مش في المشفى زي ما المحقق فاكر.. طارق مستنيك في المكان اللي بدأ فيه كل حاجة.

* في المحل القديم.. بتاع أبويا؟ – طلعت الكلمة من بين سناني بصعوبة.

العجوز هز رأسه بالإيجاب:

* حماك صحي من الجلطة المزيفة.. وأخد اللي فاضل من أوراق السحر وراح المحل. لو ما لحقتوش قبل الفجر، السر هينتقل لكل واحد في عيلتك، وياسمين مش هترجع أبداً..  رسمياً مع أول شعاع شمس.

في اللحظة دي، ياسمين اللي كانت بين إيديا لاتتحرك ولا تتنفس بشكل طبيعي، إيدها الثلجية اترفت فجأة ومسكت في ياقة قميصي بقوة مرعبة! فتحت عينها، والمحيط الأسود اللي كان بينزل دم اختفي، وبصتلي بعينين مليانة رعب حقيقي وصوتها خرج يصرخ بالاسم:

* حاتــم! حاتم لا تحفر تحت المحل! حاتم أبوك مش تحت المحل.. المحل مبني على جثتي أنا!

الصرخة قطعت صمت الليل، وجسمها انفض من بين إيديا ورجع اتدلى بجمود تام كأنها فاقت ثانية واحدة عشان تقول التحذير ده وترجع للغيبوبة الشيطانية!

الأهالي حولين البيت المهجور بدأوا يتراجعوا للورا في الضلمة وبيختفوا بين الأشجار ا واحد ورا التاني، وصوت العجوز كان بيرن ويفوح في الهواء وهو بيبتعد:

* معاك لحد الفجر يا حاتم.. يا تدفن السر.. يا السر يدفنك أنت واللي بايلك.

المحقق قام بالعافية، مسكني من كتفي وهو بيلهث وشكله تماماً:

* حاتم.. أنا مش فاهم حاجة من اللي بيحصل، العقل بيقول إن ده جنون أو سحر.. بس أنا شفت بعيني وبيشهد. هنروح المحل القديم دلوقتي.. ده مش تحقيق شرطة خلاص، دي حياة أو !

ركبنا العربية المدنية، وحطيت ياسمين في الكنبة اللي ورا، ورأسها على رجلي. كانت باردة كأنها قالب ثلج، وكل بضعة دقائق كانت شفايفها بتمتم بكلمات مش مفهومة بلغة قديمة وغريبة.

المحقق كان بيسوق بأقصى سرعة ممكنة على الطريق الترابي المظلم، والنور بتاع العربية كان بيقطع الضلمة بصعوبة. الطريق للبندر والمحل القديم كان بياخد عادة ساعة، بس السكت كانت غريبة.. العدادات في العربية كانت بتلعب، والساعة الجانبية في التابلوه كانت بتتحرك لورا! الوقت كان بيرجع!

بعد حوالي نص ساعة من السواقة الهستيرية، وصلنا للمنطقة القديمة في البندر. المنطقة كانت فاضية تماماً، الدكاكين مقفولة، واللمبات في الشارع بترمض بصوت زنين مزعج.

وقفنا قدام محل أبويا القديم.. المحل اللي مقفول بجنزير مصدي من خمسطاشر سنة.

بس المرة دي، الجنزير مكنش مقفول!

الجنزير كان  ومحطوط على الأرض، والباب الصاج بتاع المحل كان مرفوع شبرين عن الأرض، وخرج منه ضوء شمع خفيف وريحة بخور حاد  العافية.

المحقق سحب ، وأنا شلت ياسمين تاني ونزلنا من العربية.

قدمنا بخطوات مرعوبة ناحية باب المحل. المحقق زق الباب برجله، الباب الصاج طلع صوت صرير حاد وشديد أزعج الهدوء كله.

دخلنا المحل.. الأرضية الرخامية القديمة كانت متكسرة كلها، وفيه حفرة ضخمة محفورة في النص!

وعلى طائفة الحفرة، كان قاعد حمايا “طارق”.. لابس هدوم المستشفى البيضا، وإيديه الاتنين مليانة تراب ومن كثر الحفر، وفي إيده اليمين كان ماسك المخطوطة القديمة الجلدية!

أول ما شافنا دخلنا، رفع رأسه.. وشه كان مشوه بالكامل، نصفه العادي، ونصفه الثاني متفحم كأنه أكلته

ابتسم ابتسامة مريضة بصوت حشرجة:

* جيت يا حاتم؟ متأخر كالعادة.. زي أبوك بالضبط.

صرخت فيه وأنا بحط ياسمين بحذر على الأرض:

* عملت إيه في بنتك يا مجرم؟! إزاي تعمل فينا كده؟! ياسمين بتقول إنها مدفونة هنا!

طارق ضحك بجنون، ورفع المخطوطة لفوق وصاح بصوت يزلزل المحل:

* ياسمين مكنتش بتبكيك يا حاتم.. ياسمين كانت بتضحك عليك! افتح عينك وشوف الحفرة! شوف مين اللي  هنا من سنتين من قبل ما تتجوزها أصلاً!

المحقق تقدم بحذر ووجه الكشاف جوة الحفرة الضخمة..

ولما الضوء ضرب في قاع الحفرة، المحقق اتراجع لورا وهو بيفزع ويصرخ، والمسدس وقع من إيده!

قربت بركبي ورميت بصة جوة الحفرة..

جوة الحفرة، كان فيه تابوت خشب قديم مفتوح.. وجواه كانت فيه جثة متبقية منها العظام وهيكل كامل، لابس نفس الفستان ونفس السلسلة الدهب اللي ياسمين كانت لابساها في أول يوم اتعرفت عليها فيه!

جثة ياسمين الحقيقية.. كانت  تحت المحل من سنتين!

بصيت لياسمين اللي كانت حاططها على الأرض جنبي.. ياسمين اللي اتجوزتها وعشت معاها سنتين، ياسمين اللي كانت بتطبخلي وبتحبني وتنام جنبي كل ليلة!

البنت اللي على الأرض.. فتحت عينيها ببطء، وقامت وقفت على رجلها بكل سكون، وبصتلي بابتسامة ومش بشرية وقالت بصوت هادي:

* السر مكنش إن أبوك يا حاتم.. السر إنك اتجوزت، وشلت الشحنة لحد ما نوصل للنهاية!

في اللحظة دي، طارق رمى المخطوطة جوة الحفرة، والنار ولعت في قاع الحفرة تلقائياً بارتفاع غير طبيعي، والأرض تحت المحل بدأت تتشقق وتتفتح زي  الكبيرة!

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى