
وصل الحج رزق من الصعيد ومعه اثنان من كبار العائلة، ورجال لهم وزن وهيبة لا يجرؤ أحد على تجاوزهم. لم تكن جلسة منزلية عادية، بل كانت محكمة عرفية تهدف إلى وضع حد للمهزلة التي هددت بتفكيك الأسرة وإشعال الفتن بين أبنائها.
في تمام الساعة السابعة مساءً، امتلأت صالة شقة عاصم ونجلاء بالرجال. كانت أم عاصم تجلس في الزاوية، تتصنع والضعف، وإلى جوارها مازن الشاحب الوجه، والعم متولي الذي حاول إخفاء قلقه بتصنع الثبات. وفي صدر المجلس، جلس الحج رزق بعباءته الصعيدية وهيبته الصارمة، وعلى يمينه عاصم، بينما جلست نجلاء بجوار زوجها بثبات وإشراق، لا يظهر عليها أدنى ارتباك.
بدأ الحج رزق الحديث بصوت جهوري هز أركان الغرفة:
“بسم الله الرحمن الرحيم. إحنا قطعنا السفر من البلد وجينا لغايت هنا مش عشان نجامل حد على حساب الحق، ولا عشان ننصر حد على باطل. العيلة دي طول عمرها أصل وواجب، واللي حصل الكام شهر اللي فاتوا ده عيب في حقنا كلنا، ومهزلة لازم تنتهي الليلة دي.”
التفت الحج رزق نحو أم عاصم وقال بنبرة لائمة:
“يا أم عاصم.. أنتِ ست كبيرة ومقامة على راسنا، بس اللي عملتيه مع مرات ابنك مش من الدين ولا من الأصول. عايزة تشتري لشاب شقة من شقا ست بتشتغل وتتعب عشان عيالها؟ وبتروحي تشتكيها في شغلتها وتقطعي عيشها؟ ده كلام يتعمل من ست عاقلة مربية أصل؟”
حاولت الأم الدفاع عن نفسها والدموع في عينيها:
“يا حاج رزق أنت مش فاهم.. الست دي قسّت قلبه عليا، والفلوس عمت عينيها، وأنا كنت عايزة أستر أخوه اللي قفل الثلاثين!”
قاطعها الحج رزق برفع يده بصرامة:
“الستر مش بالنصب والأذية يا أم عاصم! الستر إن الراجل يشتغل ويعرق ويتعب زي ما أخوه اتعزّب وشغل مراته بتعبها! نجلاء عملت الواجب وزيادة لما عرضت تأجر له شقة بتخفيض كبير يحفظ حقها ويستر أخو جوزها، وأنتِ اللي رفضتي بعنجهية وعايزة تقتطعي حق مش بتاعك. والأنكى من كده، إنك رحتي تبلغي عنها وتتبلي عليها عشان تدمري بيتها بغير وجه حق!”
التفت الحج رزق إلى العم متولي وقال بنبرة أشد حدة:
“وأنت يا متولي.. بدل ما تنصح أختك بالحق وتلم الموضوع، طالع مع الجيل الجديد تشجع على المخالفات والباطل؟ فاكر إننا ما نعلمش بالبناء المخالف ؟ عيب عليك في سنك ده!”
انكمش العم متولي في كرسيه ولم يستطع رد الكلمة. ثم وجه الحج رزق نظره إلى نجلاء وقال بتقدير:
“يا نجلاء يا بنتي.. أنتِ ست أصيلة وبنت ناس، وقفتِ في وش العاصفة وحميتِ شقاكِ وعيالكِ، وده حقك والقانوني محدش يقدر يلومك عليه. بس إحنا أهلك، وعاصم جوزك راجل يصونك وحماكِ، وعشان خاطره وخاطر كبار العيلة اللي قاعدين، عايزين نفتح صفحة جديدة ونقفل باب .”
“على راسي كلامك يا حج رزق، وأنت وكبار العيلة في مقام والدي الله يرحمه. أنا عمري ما كنت البادية بالأذية، وعمري ما طمعت في حق حد. أنا كل اللي طالبت بيه هو احترام شقايا وتأمين مستقبل عيالي، وحماية بيتي من التدخلات اللي كانت هتخربه. لو الأصول هتتحكم بحق ربنا، أنا مع الحق وأول من يلبي.”
قال الحج رزق مستحسناً:
“بارك الله فيكِ يا بنتي.. وده ظننا فيكِ. وعشان كده، الحكم العرفي اللي هنقطعه الليلة دي ينفذ من غير مراجعة من أي طرف:”
ثم أعلن القرارات بصوت حاسم:
“أولاً: شقا نجلاء وفلوسها ملك خالص ليها، محدش من العيلة له حق يسأل فيه أو يطالب بمليم منه، لا شقق ولا غيره، والباب ده يتأفل للأبد.”
“ثانياً: أم عاصم تعتذر لنجلاء قدام القعدة دي كلها عن الشكوى الكيدية وعن المسبات اللي طالتها، وتتعهد بعدم التدخل في شؤون بيتها أو مصاريفها إطلاقاً.”
“ثالثاً: مازن أخو عاصم يصحى لنفسه، ويتكل على الله ويروح شغلانة تانية ويدور على على قد جيبه، ومحدش يطالب عاصم ولا مراته بجنيه في تجهيزه.”
“رابعاً: المحل اللي كتبته الأم باسم مازن يحسب من نصيبه الشرعي في الإرث، وتتكتب ورقة رسمية تضمن حق عاصم وأخته في بقية الميراث عشان العدل يقوم.”
خيم الصمت على القاعة. كان الحكم قاطعاً وعادلاً، يعيد لكل ذي حق حقه ويردع المتطاولين.
نظرت أم عاصم حولها فوجدت أن الكل يوافق على حكم الحج رزق ولا مجال للتهرب. ابتلعت كبرياءها، ونظرت إلى نجلاء وقالت بصوت خافت :
ردت نجلاء بأخلاق عالية دون تعالي:
“المسامح ربنا يا أمي.. وأنتِ في مقام أمي، بس يا ريت تفضل الحدود قائمة عشان يفضل الود والمحبة.”
قام الجميع وتصافحوا، وانتهت الجلسة العرفية بانتصار ساحق للحق والكرامة، وإرساء قواعد جديدة لا يمكن لأحد .
بعد رحيل الجميع، أُغلق الباب، وعاد الهدوء إلى . جلس عاصم إلى جوار نجلاء، وأمسك بيدها بامتنان واعتزاز شديدين، وقال:
“الحمد لله يا نجلاء.. الأزمة عدت، وبيتنا بفضل ربنا ثم صلابتك وحكمتك بقى أقوى من الأول.”
ابتسمت نجلاء ابتسامة دافئة وقالت:
“البيت مابيبقاش قوي بيا لوحدي يا عاصم.. البيت بقى قوي لما أنت بقيت السند والسور اللي بيحميه. لما أنت وقفت في وش الباطل، ربنا نصرنا ورجع الحق لأصحابه.”
لكن، ورغم انقضاء الأزمة العائلية الكبرى، كانت هناك موجة جديدة غير متوقعة تتشكل في الأفق، لم تكن من داخل الأسرة، بل من خارجها تماماً.
في صباح اليوم التالي، وبينما كانت نجلاء تستعد للذهاب إلى سنترها التعليمي، تلقت اتصالاً هاتفياً عاجلاً من إحدى المعلمات المساعدات لها. كان صوت المعلمة يرتجف خوفاً:
“يا مدام نجلاء.. الحقينى! فيه جهة رقابية كبيرة وخبراء من الضرائب واقفين قدام السنتر ومعاهم قرار تفتيش وفحص شامل بناءً على بلاغ ضخم مقدم ضدك من جهة مجهولة بمبالغ ملايين الجنيهات وادعاءات بغسيل أموال!”
وقفت نجلاء ذهولة، وشعر عاصم الذي كان يقف بجوارها بأن الأزمة لم تنتهِ بعد، بل إن هناك عدواً جديداً يستتر خلف السوار يتربص بنجاحها وشقائها!
تسمرت نجلاء في مكانها لثوانٍ معدودة، وعيناها تتنقلان بين وجه عاصم المندهش وسماعة الهاتف التي ينبعث منها صوت المعلمة المساعدة المرتجف. كانت الصدمة قاسية، فالعدو هذه المرة لم يكن حاقداً من داخل العائلة يمكن ردعه بجلسة عرفية أو بتهديد قانوني مباشر، بل كان يستتر خلف بلاغ كيدي شديد يمس سمعتها المالية والمهنية ويصل إلى حد بـ “غسيل الأموال”.
سحب عاصم الهاتف من يدها بلهفة وقال للمعلمة:




