روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 3

“اهدي يا أستاذة وشرحيلي بالراحة.. مين اللي واقف قدام السنتر بالضبط؟ ومين اللي أدى للجهات دي إذن بالتحرك؟”

“يا أستاذ عاصم، فيه قوة رسمية ومعاهم مفتشين من الضرائب العامة والرقابة المالية، ومعاهم إذن نيابة بالفحص وشمع المكان مؤقتاً لحين مراجعة الدفاتر والمعاملات البنكية! بيقولوا فيه بلاغ مجهول بمستندات مالية وتحويلات بتأكد إن السنتر يدخل له مبالغ ضخمة مش متناسبة مع نشاط التدريس!”

أغلقت نجلاء الهاتف بأصابع ترتجف خفيفة، لكن سرعان ما عادت إليها صلابتها المعهودة. أخذت نفساً ، وقالت بنبرة حادة ومركزة:

“عاصم.. البلاغ ده مش عشوائي، وده مش شغل أمك ولا مازن. أمك حدها شكوى إدارية هشة، ومازن معندوش المستندات ولا الذكاء اللي يخليه يصيغ بلاغ عن ‘غسيل أموال’. فيه حد تاني فاهم حركة فلوسي كويس وبيحاول .”

نظر إليها عاصم بذهول وقال:

ردت نجلاء وهي ترتدي معطفها بسرعة وتفتح حقيبتها لتتأكد من وجود فلاشة الملفات القانونية:

“السنتر بتاعي لما كبر ونجح، أخد أكتر من نص طلاب المراكز المجاورة. السنتر المنافس اللي في الشارع الخلفي مملوك لرجال أعمال كبار، وكانوا حاولوا يشتروا السنتر مني السنة اللي فاتت برخص التراب وأنا رفضت.. وأمك لما راحت تشتكي في الإدارة وسألت عني في كل حته، أدتهم الخيط والفرصة الماسية عشان يستغلوها ويصيغوا البلاغ ده!”

لم يضيع عاصم ثانية واحدة. أمسك بجاكيته وقال بصلابة غير :

“أنا طالع معاكي يا نجلاء. المرة دي مش هسيبك تواجهي اللجان دي لوحدك. أنا موظف دولة وعارف الدورة المستندية بتمشي إزاي، وما عاش ولا كان اللي يهدد اسمك وشقاكي!”

وصل عاصم ونجلاء إلى مقر السنتر التعليمي، ليجدا الشارع مكتظاً بالطلاب وأولياء الأمور المندهشين، بينما يترجل رجال اللجان الفنية والمفتشون يدخلون ويخرجون بملفات وأوراق. كان المشهد كفيلاً بتدمير سمعة السنتر في دقائق لو انتشرت الشائعات.

تقدم عاصم بثبات ووقف أمام رئيس لجنة الفحص، وأخرج بطاقته الشخصية وقدم نفسه بصورته الرسمية كموظف وزاري، وقال بأدب جم وثبات شديد:

” أهلاً بحضراتكم يا فندم. إحنا تحت أمر القانون والجهة الرقابية، وبنحترم كل إجراءات الدولة. بس المكان ده مؤسسة قانونية مرخصة بالكامل، وأنا بطلب بصفتي زوج المدام وممثلها القانوني الحضور أثناء مراجعة الدفاتر، وتدوين كل ورقة بتتسلم في محضر رسمي.”

نظر إليه رئيس اللجنة باحترام لأسلوبه المنظم والمستند إلى القانون، وقال:

بدأت عملية التفتيش التي استمرت لأكثر من ثماني ساعات متواصلة. كانت ساعات فيها ؛ المفتشون يقلبون كل ورقة، ويراجعون الإيصالات، وسجلات الحضور، والحسابات البنكية المربوطة باسم السنتر.

خلال تلك الساعات، ظهر المعدن الحقيقي لـ “نجلاء”. لم ترتبك، بل كانت تقدم مع كل استفسار مستنداً رسمياً مطبوعاً وموثقاً برقم ضريبي ومسجل إلكترونياً. أثبتت للجنة أن كل جنيه دخل إلى حسابها البنكي مصحوب بفاتورة وإيصال تحصيل رسمي، وأن الشهادات البنكية التي تحتفظ بها ناتجة عن أرباح مجدولة  أرباح تجارية وصناعية بالكامل دون واحد!

وفي منتصف اليوم، وبينما كان رئيس اللجنة يراجع أحد التقارير المالية المرفقة بالبلاغ الكيدي، لاحظ عاصم شيئاً مريباً؛ التقرير المرفق بالبلاغ كان مكتوباً على ورق يحمل علامة مائية خاصة بمكتب محاسبة شهير، وهو نفس المكتب الذي يتعامل معه السنتر المنافس في المنطقة!

سحب عاصم التقرير بذكاء ورفعه أمام رئيس اللجنة، وقال بثقة:

“يا فندم.. بص حضرتك للختم والعلامة المائية دي. التقرير اللي الـ ‘بلاغ المجهول’ بيبني عليه صادر من مكتب المحاسب (ف. أ)، وده المحاسب القانوني لسنتر (…) المنافس لينا بفاصل شارعين! البلاغ ده مش بلاغ للصلحة العامة، ده بلاغ كيدي ومنافسة غير شريفة لتصفية نشاط تجاري ناجح!”

دون رئيس اللجنة الملاحظة فوراً في المحضر، وبدت على وجوه المفتشين علامات الارتياح والتحول. وبعد انتهاء الفحص الشامل، وقف رئيس اللجنة ونظر إلى نجلاء وعاصم وقال بابتسامة تقدير:

“يا مدام نجلاء.. أنا بأحييكِ على النظام والشفافية دي. دفاتركِ نموذج يدرس، ومفيش عندك شائبة واحدة ولا جنيه واحد غير معلوم المصدر. المحضر هيتقفل بحفظ البلاغ لعدم الصحة، ومن حقك ترفعي بلاغ كيدي وتعويض ضد الجهة اللي ورا الموضوع ده.”

تنفس عاصم ونجلاء الصعداء، واهتزت جدران السنتر بتصفيق المعلمات والعمال الذين كانوا ينظرون إليهما بحبس أنفاس.

عندما عادا إلى البيت في ساعة متأخرة من الليل، خيم الهدوء التام على الشقة. سقطت نجلاء على الأريكة من شدة الإرهاق النفسي والبدني، ونظرت إلى عاصم الذي كان يقف عند النافذة يشرب كوباً من الشاي، وعيناه تلمعان بنور مختلف.

اقتربت منه ووضعت رأسها على كتفه وقالت بصوت يملؤه الامتنان والعمق:

“عاصم.. النهاردة السنتر كان هيتقفل وسمعتي كانت هتتدمر، لولا وجودك وجرأتك وقراءتك للورق. أنت مش بس حميتني قدام أهلك.. أنت حميتني قدام الدولة والقانون.”

التفت إليها عاصم وأمسك بيديها بحنان بالغ:

“نجلاء.. أنتِ شيلتيني وشيلتي البيت ده سنين بشقاكي وتعبك، ومن حقك لما تعوزي سند، تلاقيني جبل ضهرك. أنا عرفت قيمة بيتي وقيمتك، واللي يفرط في ست زيّك يبكيه الزمان.”

ابتسمت نجلاء وقالت بنبرة فيها لمسة من التحدي اللذيذ:

“بس الموضوع مش هينتهي عند حفظ البلاغ يا عاصم.. اللي افترى عليا وحاول يدمر اسمي وسنتر شغلي، لازم يدفع الثمن بالقانون. أنا بكرة هرفع دعوى تعويض وبلاغ كيدي ضد صاحب السنتر المنافس والمحاسب بتاعه.”

ابتسم عاصم وقال بصلابة شريك حقيقي:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى