
الصمت اللي نزل على الشقة بعد ما خط الدكتور تقفل كان أتقل من الجبل. صوت الشاشة المكسورة لما خبطت في البلاط كان زي صوت آخر حاجة سليمة جوايا وهي بتتكسر. هدى كانت واقفة قدامي، عينيها بتتحرك بيني وبين أمي وبين الكراكيب اللي في الشقة، نظرتها اتحولت في ثواني من الدلع والسيطرة للشك والذعر.
مسكتني من دراعي بقوة، ضوافرها غرزت في قميصي:
— أحمد! أنت ساكت ليه؟! رد عليا! إيه الكلام اللي الست دي بتقوله ده؟ يعني إيه ديون وحجز؟ ويعني إيه فلوس مراتك الأولى؟! أنت مش قلت لي إنك مهندس استشاري وعندك شركتك الخاصة وبيجيب لك ملايين من إسكندرية؟!
بصيت لإيدها اللي ماسكة دراعي. نفس الإيد اللي كنت أشتريت لها أساور دهب من شهرين. نفس الإيد اللي كنت بشوفها “عوض”، وأتاريها كانت إيد بتسحبني للقعر وأنا مغمى عليا.
نفضت إيدها بعنف.
— اسكتي! اسكتي خالص ومش عايز أسمع صوتك!
هدى شهقت، ورجعت لورا خطوتين، وشها احمر من الغضب:
— أنا يتقال لي اسكتي؟! أنت أتلغبطت في الكلام ولا إيه يا أحمد؟ أنا سبت بيتي وجيت لك بشيلتي عشان تشتمني؟
أمي من جوه كحّت كحة مكتومة، وبعدين رفعت صوتها المبحوح وهي بتلف كرسيها وبتيجي ناحية الصالة:
— سيبيه يا حبيبتي.. سيبيه أصل النكسة لما بتيجي على راس الغافل بتبقى تقيلة. هو مش عارف يرد عليكِ لأنه اكتشف إنه مش سي أحمد اللي بيمشي كلمته على الكل.. هو اكتشف إنه كان عايش على قفا الست اللي رماها في المستشفى عشانك!
هدى بصت لأمي بقرف وصرخت:
— أنتِ مين أصلاً عشان تتكلمي معايا كده؟ أنتِ حتة عجوزة قاعدين نخدمك ونشيلك!
أول ما الكلمة طلعت من بوقها، حسيت بالدم بيغلي في نفوخي. ما شفتش قدامي. قربت منها ورفعت صباعي في وشها، وصوتي خرج زي الهزيم:
— لمي لسانك! الكلمة دي لو طلعت منك تاني على أمي، قسماً بالله ما هتعرفي هتطلعي من الباب ده إزاي! أمي دي اللي كانت منى بتغسل رجلها بالمايل والمستكة وهي نازفة كيماوي! أنتِ بقى عملتِ لها إيه غير إنك أخدتِ الفلوس اللي كانت المفروض تترد علاج ليها؟!
هدى اتسمرت مكانها، والراجلين اللي كانوا شايلين الشنط بره الباب بصلوا لبعض بتوتر. واحد منهم قال بصوت واطي:
— يا كابتن.. إحنا هنحط الشنط هنا ونمشي، الأجر حسابنا عليه كام؟
هدى التفتت له وهي بتترعش من الغضب:
— حاسبهم يا أحمد! حاسب الناس دول خليهم يمكوا!
حطيت إيدي في جيبي. طلعت المحفظة. فتحتها قدامها.. ما كانش فيها غير كام ورقة فئة مية جنيه، وبطاقة الفيزا اللي البنك لسه قافلها من ساعتين.
رميت الميات للراجلين:
— خدو دول وغوروا من وشي.
الراجلين أخدوا الفلوس ومشوا بسرعة وقفلوا الباب وراهم، وسبنا في اللحظة دي مع الواقع العريان.
هدى بصت للمحفظة الفاضية، وبعدين بصت للأكياس اللي على الكومودينو. عينيا لمعت. جريت على الأكياس، فتحتها بلهفة وطلعت علب الساعات الفخمة.
— الساعات دي بـ 120 ألف جنيه.. أنت قلت لي كده! أنا هآخدهم أبيعهم وأخد حقي منك!
قربت منها ببرود، وبرود لمس قلبي فجأة:
— خديها. خدي الساعات يا هدى. خديها وبصي فيها كويس.. كل ثانية بتمر في الساعتين دول، مدفوعة من دم مراتي اللي بتصارع الموت في ألمانيا. خديها وعيشي بيها لو عرفتي تنامي والذنب بياكل في عضمك.
هدى شالت العلب في شنطتها بسرعة وكأنها خايفة أغير رأيي، وقالت وهي بتعدل نظارتها الشمسية:
— أنت اتجننت! ذنب إيه وبتاع إيه؟ أنت اللي جيت لي وركعت تحت رجلي عشان أتجوزك! أنت اللي قلت لي إنك مش مرتاح مع مراتك وإنها نكدية وبتقرفك! أنا مال أهلي بالمشاكل دي كلها؟!
في اللحظة دي.. جرس الباب رن تاني.
المرة دي ما كانتش رنة العشم ولا رنة هدى. كانت ضرب متواصل على الباب العريض، ضرب يخلي القلب يقع في الرجلين.
أمي بصت للباب، ووشها اصفر:
— أهو شؤمك جه يا أحمد.. البنك وصل.
مشيت بجمود وفتحت الباب.
كان واقف بره راجلين بلبس رسمي، معاهم راجل ثالث بلبس الشرطة، وفي إيدهم ملفات أوراق رسمية صفرا.
الراجل اللي في النص بص في الورق وبعدين بص لي:
— الاستشاري أحمد محمود؟
— أيوه أنا.
— إحنا محضرين من محكمة جنوب القاهرة، ومعانا أمر تنفيذي عاجل بالحجز التحفظي على محتويات الشقة والتحفظ على العقار بناءً على الطلب المقدم من الممثل القانوني للسيدة منى عبد الرحمن، وبموجب أحكام الصكوك المالية والكمبيالات الموقعة من سيادتك لصالحها ولصالح بنك (م).
هدى صرخت من ورايا:
— حجز إيه يا باشا؟! الشقة دي فيها حاجاتي! أنا مراته التانية ولسه جاحية من إسكندرية مالهاش دعوة بالموضوع ده!
المحضر بصلها بنظرة جافة، وقرأ من الورقة:
— السيدة هدى عبد الملك؟
هدى اتبدلت ملامحها:
— أيوه.. أنا.
المحضر كمل قراءة:
— ومعانا كمان إحالة بالاستدعاء لسيادتك أمام النيابة العامة بتهمة التستر والتصرف في أموال مرهونة لصالح الغير، بناءً على الشكوى المقدمة من محامي السيدة منى، بتلقي مبالغ مالية وهدايا عينية أصلها مقتطع من أموال الشركة المرهونة للبنوك.
هدى وقعت الشنطة من إيدها، والعلب بتاعة الساعات طلعت بره الشنطة وتدحرجت على الأرض تحت جزمة الظابط.
الظابط انحنى وأخد العلب، فتحها وبص فيها، وبعدين بص لهدى:
— الساعات دي جزء من المشتريات اللي تم التحفظ على فواتيرها من المحل النهاردة الصبح. اتفضلي معانا يا مدام عشان توضحي موقفك في النيابة.
-
حكايات منى السيد1منذ 10 ساعات
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 2منذ 11 ساعة
-
مدرسة حكايات رومانى مكرم 1منذ 11 ساعة
-
حكايات ندى الجمل 2منذ 11 ساعة






