روايات وقصص

حكايات منى السيد 2

هدى بدأت تصرخ وتعيط هستيري:
— لأ! لأ يا أحمد اتكلم! قولهم إني ماليش دعوة! أنت اللي اشتريتهم لي! أنت اللي ضحكت عليا وقلت لي إنك غني! الحقني يا أحمد!
كنت واقف زي الصنم. بصيت لها وهي بتعيط.. نفس الوش اللي كنت بشوفه جماد من الجمال، كان شكله دلوقتي بائس ورخيص ومقزز.
قلت للظابط بصوت خالي من أي إحساس:
— هي مالهاش ذنب في الشركة يا باشا.. الساعات دي أنا اللي اشتريتها بفلوسي اللي سحبتها من الحساب المسقوف. أنا المسئول.
المحضر سجل الكلام في محضر رسمي، والظابط قال:
— تتفضل معانا هي الأول للنيابة لإبداء الأقوال، وأنت يا أستاذ أحمد قدامك 48 ساعة لسداد المبالغ أو العرض على النيابة لتنفيذ قرار الضبط والإحضار. والشقة دي ممنوع التصرف في أي حاجة فيها بدءاً من اللحظة دي.
هدى اتسحبت من دراعها وهي بتصرخ وتشتمني بأبشع الألفاظ، بتشتمني على الفلوس وعلى الـ 120 ألف جنيه وعلى الحظ الأسود اللي جابها في طريقي. خرجت من الباب وهي بتزق في العساكر، والباب اتقفل وراهم.
الشقة رجعت هادية تاني.
هادية زي المقبرة.
البيت الفاضي، التراب اللي مغطي الزوايا، وأمي اللي قاعدة بتبص لي والدموع نازلة من عينيها على البلوزة المتبهدلة.
مشيت ببطء، وقعدت على الأرض تحت رجلين أمي. حطيت راسي على ركبتها، زي ما كنت بعمل وأنا عيل صغير لما أهرب من الشارع بعد ما أتضرب.
أمي حطت إيدها الضعيفة على شعري.. إيدها كانت بترتعش، بس لمستها كانت أتقل من السياط.
— ضيعت نفسك وضيعتنا يا أحمد.. عشان إيه؟ عشان وهم؟
دموعي نزلت بجد المرة دي. دموع تحرق الوش.
— أنا آسف يا ماما.. أنا آسف.. أنا كنت فاكر إني مسيطر.. كنت فاكر إني بآمن نفسي.. كنت فاكر إن منى مش هتعرف وإن الدنيا هتمشي عادي..
أمي رفعت راسي بإيدها المتنافضة وخليتني أبص في عينيها:
— منى كانت شايلاها لك يا أحمد. كانت شايلاك وشايلة اسمك وبيتك وأمك المريضة. منى ما كانتش زوجة.. منى كانت السقف اللي حاميك من المطرة. وأنت بإيدك طلعت فوق السقف وقعدت تكسر في الخشب لحد ما المية غرقتاك وغرقتنا معاك!
سكت.. الكلام مات في زوري.
في اللحظة دي، تليفوني المكسور على الأرض رن تاني.
الشاشة كانت متدشمة، بس الصوت كان طالع واضح.
رفعت التليفون بحذر، خايف يكون المحامي، خايف تكون النيابة.. بس الرقم كان رقم مصري عادي.
فتحت الخط وحطيته على ودني:
— ألو؟
صوت راجل حاد، مليان كبرياء وقسوة، جاني من الناحية التانية. صوت طارق.. أخو منى الكبير.
— أحمد؟
— طارق؟ طارق إزاي الصحة؟ منى عامة إيه؟ بالله عليك يا طارق طمني عليها! أنا عرفت كل حاجة.. عرفت المرض والعملية.. قولي هي عامله إيه في ألمانيا؟!
طارق ضحك ضحكة قصيرة، ضحكة تقطع النفس من جفافها:
— طالع فيك الروح فجأة يا أحمد؟ لسه فاكر إن ليك مراتي اسمها منى؟
— يا طارق أرجوك.. أنا مستعد أبيع هدومي، مستعد أتسجن، بس أعرف هي كويسة ولا لأ! أنا أذنبت في حقها وأنا عارف إني أحقر راجل في الدنيا، بس خليه تسامحني!
طارق اتكلم بصوت واطي وموزون، كل كلمة فيه كانت بتنزل زي المرزبة على دماغي:
— تسامحك؟ أنت فاكر منى سابت لك رسالة عشان تسامحك؟ منى خرجت من العملية الأولى من ساعتين يا أحمد.. العملية نجحت مبدئياً، والورم اتأصل.. بس الأطباء هنا قالوا إن حالتها النفسية هي اللي مخلية جسمها مش قادر يقاوم. منى ما بتبكيش.. منى ما بتشتكيش.. منى بتبص للسقف وساكتة.
بلعت ريقي وأنا بدعي في سري:
— طب خليني أكلمها! أرجوك حط التليفون على ودنها بس أقولها كلمتين!
طارق رد بقسوة:
— مش هتحصل يا أحمد. منى لما خرجت من الأوضة، أول كلمة قالتها لي هي: “لو أحمد اتصل.. قول له إن الشقة اللي هو قاعد فيها دلوقتي، هتتباع في المزاد العلني الأسبوع الجاي.. وقول له إن الأم اللي سابها أربع شهور يتعالج في المصحة اللي أنا حجزت لها فيها ومدفوع أجرها لمدة سنة قدام.. بس بشرط واحد.”
قمت وقفت على حيلتي من الصدمة:
— مصحة إيه؟! ومصحة ليه؟!
أمي بصلتي باستغراب وهي مش فاهمة الكلام.
طارق كمل:
— منى حجزت لأمك في أكبر دار رعاية لكبار السن والمرضى في التجمع.. مكان نظيف ومحترم وفيه دكاترة على أعلى مستوى، ومدفوع حسابه لسنة كاملة من فلوسها الخاصة.. عشان عارفة إنك مش هتقدر تصرف عليها ولا تعالجها بعد ما شركتك تفلس وتتسجن.
أنا اتسمرت مكانتي.
منى.. بعد كل اللي عملته فيها.. بعد الخيانة والمرض والسرقة والكدب.. كانت لسه بتفكر في أمي المريضة؟! كانت لسه بتأمن علاجها وأكلها عشان ما تترماش في الشارع بسببي؟!
طارق قال بجمود:
— الشري المرفوق مع الدار.. إن أمك تنقل هناك بكرة الصبح، وأنت ما تحطش رجلك في المكان ده ولا تشوفها غير بمواعيد زيارة زي أي غريب.. عشان ما تاخدش فلوس علاجها تصرفها على نسوانك!
— طارق! أنت بتقول إيه؟! دي أمي! إزاي تمنعني عن أمي؟!
— دي مش أمك أنت يا أحمد.. دي الست اللي صانت منى لما أنت خنتها. دي الست اللي عاشت معاها وجابت لها الدواء لما أنت كنت بتصرف فلوسها في إسكندرية. وأنت دلوقتي يا أحمد.. معندكش اختيار. يا إما توافق وأمك تروح المصحة وتتعالج، يا إما الشقة تتشمع بكرة وأمك تنزل معاك في الشارع وأنت رايح السجن!
التليفون كان هيقع من إيدي تاني.
بصيت لأمي.. أمي اللي كانت بتعيط وصوتها بيطلع بالعافية.
بصيت للصالة الخربانة.. للديون اللي حنقتني.. للشرطة اللي مستنياني بره.. للشركة اللي طارت.. وللمرأة الوحيدة اللي حبتني بحق، واللي نجت من السرطان بس سابتني أموت ببطء في جهنم اللي عملتها بنفسي.
مسكت التليفون بقوة، وقلت بصوت ميت، صوت إنسان مابقاش فاضل فيه أي حاجة يبكي عليها:
— موافق يا طارق.. موافق على كل شروطها. بس قولي كلمة واحدة من عندك أنت..
— عايز إيه؟

تابع المقال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى