
— هي.. هي قالت عني إيه تاني قبل ما تدخل العملية؟
طارق سكت لحظة.. وبعدين قال بصوت جاف زي الس\كينة:
— قالتلي: “أحمد كان فاكر إنه اتجوز عليا في السر.. وما كانش عارف إنه كان بيبني قبره بإيده.. وأنا بس قفلت عليه الباب وسبته جوه.”
الخط اتقفل.
قعدت على الكنبة المكسورة في الصالة.
أمي كانت بتبص لي بنظرة وداع..
وهدى كانت في النيابة بتلبس القضايا اللي أنا السبب فيها..
ومنى كانت في ألمانيا، بتشفى من المرض، وبتغسل إيدها مني للأبد.
والباب.. الباب خبط تاني.
المرة دي.. كانوا رجال البنك جايين يحطوا الشمع الأحمر على باب الشقة.
هل سيتنازل أحمد عن كبريائه ويستسلم للسجن، أم أن هناك سرًا آخر لم يكشفه طارق بعد عن ق\ضية التمويل؟ هل تريد استكمال الجزء الرابع والأخير؟
الشمع الأحمر اتثبت على باب الشقة.
صوت الخبط بالشاكوش على الخشب كان زي دقات طبول الجنازة. المحضر حط ختم الدولة على الباب بعد ما خرجنا أنا وأمي للشارع.
كنت واقف في مدخل العمارة، إيد شايلة الشنطة الوحيدة اللي سمحوا لنا نطلع بيها من الهدوم الشخصية، والإيد التانية ماسكة مقبض الكرسي المتحرك اللي قاعدة عليه أمي.
الشارع كان زحمة، الناس رايحة وجاية، والشمس بدأت تغرب وتبعت أشعة حمرا باهتة على الوشوش. محدش كان داري بالخراب اللي جوه صدري.
عربية إسعاف خاصة وصلت بعد نص ساعة.
نزل منها ممرضين ببالطو أبيض، معاطفهم نظيفة ووشوشهم مبتسمة بهدوء. اتعاملوا مع أمي بكل احترام وأدب، رفيعوها بالكرسي وركبوها العربية.
أمي بصت لي من شباك العربية، عينيها كانت مليانة كلام كتير.. كلام عتاب، ورحمة، وحزن مش ينتهي.
— مش هتيجي معايا يا أحمد؟
صوتها كان ضعيف، طالع بالعافية مع صوت موتور العربية.
قربت من الشباك، بست إيدها المحاطة بالأوردة الزرقا، وقلت بصوت مخنوق:
— مش ينفع يا ماما.. طارق اشترط كده. إنتِ رايحة مكان أنضف بكتير، مكان هيهتموا بيكي وبأدويتك صح.. المكان اللي منى اختارتهولك.
أمي سحبت إيدها ببطء، وغطت وشها:
— ربنا يهديك يا ابني.. ربنا يسامحك على اللي عملته في نفسك وفينا.
العربية تحركت، وأنا فضلت واقف في الشارع لحد ما إشارات العربية الاختفت في وسط زحمة القاهرة.
في اللحظة دي، بقيت لوحدي تمامًا.
ما بقاش معايا غير شنطة هدوم، وتليفون مكسور الشاشة، وميعاد مع النيابة كمان بكرة الصبح لورود قرار الضبط والإحضار، وبقايا رجل كان فاكر نفسه سيد القرار.
مشيت في الشوارع بغير هدى.
كل خطوة كانت بتفكرني بمنى.
هنا كنا بنشتري مستلزمات البيت.. هنا قعدنا في كافيه صغيّر أول سنة جواز ونضحك على طموحاتنا البسيطة.. هنا هي وقفت في البرد عشان تستناني لما تليفوني فصل وشحني فضي.
كانت دايماً الست اللي بتغطي عيوبي، الست اللي بتشيل عني الهم قبل ما أحس بيه. وأنا؟ أنا كافأتها بإني دورت على “هدى”.. دورت على القشور والرخص والمظاهر الكدابة!
ساعاتي مرت زي الكابوس.
قضيت الليل على بنش في حديقة عامة قريبة من شقتنا القديمة. ما قدرتش أنام ولا لحظة. البرد كان بياكل في عظيمي، بس البرد اللي جوه قلبي كان أشد وألعن.
أول ما الشمس طلعت، أخدت نفسي ومشيت على رجلي لمقر النيابة العامة.
كنت عايز النهاردة يخلص.. أي حتة، أي سجن، أرحم من الحبس اللي أنا عايشه جوه دماغي.
دخلت المجمع القضائي.
الزحمة والوشوش المتوترة، صوت الكلبشات وصوت المحامين وهم بيجروا بالملفات.
قعدت في الممر المظلم قدام مكتب وكيل النيابة، مستني دوري.
بعد ساعتين، العسكري ندى باسمي:
— المتهم أحمد محمود!
قمت وقفت، عدلت قميصي المجعد، ودخلت.
النيابة كانت غرفة واسعة، وكيل النيابة قاعد ورا مكتبه وجمبه ملفات ضخمة، وعلى الكرسي اللي قباله.. كانت قاعدة هدى!
هدى كانت شكلها متبهدل تمامًا.
النظارة الشمسية تختفي، وشها شاحب، وتحت عينيها سواد رهيب. كانت بتعيط بإنهاك، ومعاها محامي بيحاول يهدّيها.
أول ما شافتني، قامت وصرخت:
— أهو جه يا باشا! هو ده اللي ضحك عليا! هو ده اللي خد الساعات ودبسني في المصيبة دي! أنا ماليش دعوة بشركته ولا بفلوس مراته!
وكيل النيابة خبط على المكتب بصرامة:
— اقعدي يا مدام! مش عايز صوت!
هدى قعدت وهي بتبص لي بنظرة كره وغل صافي.
نفس العيون اللي كانت بتبص لي بحب مزيف لما كنت بشتري لها الهدايا، بقت دلوقتي شايفاني الشيطان اللي دمر حياتها.
وكيل النيابة بص لي وسأل بجمود:
— أنت المتهم أحمد محمود؟
— أيوه يا فندم.
— المذكورة هدى عبد الملك مقدم ضدها بلاغ بالتستر والمشاركة في التصرف في أموال مرهونة للبنوك، والساعات اللي ضبطت معاها ثمنها 120 ألف جنيه مسحوبة من الحساب الجاري الموقوف لشركتك. إيه أقوالك؟
قربت من المكتب، وبصيت لوكيل النيابة بثبات خالي من أي خوف:
— يا فندم.. الأستاذة هدى مالهاش أي علاقة بأي شغل أو حسابات. أنا اللي اتجوزتها في السر، وأنا اللي خبيت عليها إن شركتي مديونة وبتفلس، وأنا اللي اشتريت الساعات دي من حساب الشركة عشان أثبت لها إني مقتدر. هي ما كانتش تعرف مصدر الفلوس، ولا تعرف إن الحساب مرهون. أنا المسؤول المسئولية الكاملة عن كل قرش اتصرف، ومستعد لأي عقوبة.
هدى بصت لي بصدمة، محاميها اتنفس براحة وبدأ يكتب أقواله بسرعة.
وكيل النيابة بص لي بنظرة تفحص، وبعدين قلّب في الورق قدامه:
— كلامك ده معناه اعتراف صريح بالتبديد والتصرف في أموال محجوزة إدارياً، وده يحطك تحت طائلة عقوبة السجن المشدد.
ـ أنا جاهز لأي حكم يا فندم.
وكيل النيابة سكت لحظة، وبعدين مسك ورقة بيضا كانت محطوطة على جنب، وقال بنبرة هادية غريبة:
— بس فيه حاجة جديدة دخلت الق\ضية الصبح ده.
رفعت راسي باستغراب:
— حاجة إيه يا فندم؟
-
ابني قالي: «مفيش مكان ليكي2منذ 3 ساعات
-
حكايات اسما السيد 2منذ 20 ساعة
-
حكايات اسما السيد 1منذ 20 ساعة
-
حكايات اسما السيد 2منذ يوم واحد




