روايات وقصص

حكايات منى السيد 2

فتح الملف وطلع منه إقرار رسمي معتمد من الشهر العقاري، وتنازل قانوني صريح:
— الأستاذ الأستاذ طارق عبد الرحمن، بصفته موكلاً عن السيدة منى عبد الرحمن، قدم للنيابة من ساعة واحدة تنازل رسمي عن الشق الجنائي في بلاغ التبديد الموجه ضدك وضد المتهمة التانية.. بعد ما تم سداد كامل المبلغ المستحق للبنك والمرتبط بالساعات والمشتريات الشخصية من حسابها الخاص.
اتسمرت في مكاني.
ريقي جف تمامًا:
— سددت الفلوس؟! منى سددت المية وعشرين ألف جنيه؟!
وكيل النيابة هز راسه بإيجاب:
— أيوة. الأستاذ طارق سدد المبلغ للبنك، وفك الحجز الجنائي عن الق\ضية دي بالذات. وبناءً عليه، النيابة قررت إخلاء سبيل المتهمة هدى عبد الملك بضمان محل إقامتها، وإخلاء سبيلك أنت كمان من الشق الجنائي ده.. لكن يتبقى عليك القضايا المدنية الخاصة بالشركة والمزاد العلني لبيع الشقة والشركات لسداد باقي الديون.
هدى قامت تنط من الفرحة، محاميها أخدها وخرجوا بسرعة من الأوضة من غير ما تبص لي حتى بصة واحدة، ولا تقول كلمة شكر واحدة!
خرجت زي القطة اللي هربت من المصيدة، وسبتني واقف قدام وكيل النيابة، مش قادر أستوعب الحقيقة.
منى.. منى اللي أنا خنتها وبعتها.. أنقذتني من السجن!
أنقذت هدى من الحبسة!
أنقذتنا من الفضيحة بالفلوس اللي كانت هي أولى بيها لعلاجها!
سألت وكيل النيابة بصوت بيرتعش:
— ليه يا فندم؟ هو طارق ساب أي جواب أو سبب للتنازل ده؟
وكيل النيابة طلع ورقة صغيرة مرافقة للتنازل، وقال:
— الأستاذ طارق أرفق الملاحظة دي مع التنازل، وقال إنها وصية السيدة منى قبل ما تدخل العناية المركزة.
مسكت الورقة بكتف متراخي وإيد بترتجف.
كان خط طارق، كاتب فيه جملة واحدة نقلاً عن منى:
“أنا ما سددتش الفلوس عشان أنقذك من السجن يا أحمد.. أنا سددتها عشان ما يبقاش ليك عندي أي فضل ولا يبقى بيني وبينك أي دين في الدنيا ولا في الآخرة. سددت الفلوس عشان أقطع آخر فتلة كانت ربطاني بيك، وأسيبك بره السجن.. عشان الشارع والمزاد والفقر والندم يعملوا فيك اللي السجن مش هيعرف يعمله.”
نزلت الورقة من إيدي.
النيابة أنهت الإجراءات، وخرجت للشارع مرة تانية.
بعد أسبوع واحد..
قفت في الشارع تحت العمارة القديمة.
كان فيه لافته كبيرة متعلقة على الباب الرئيسي: “شقة للبيع بالمزاد العلني بأمر المحكمة”.
المزاد بدأ، والمشترين والتجار اتجمعوا في الصالة المكركبة اللي شهدت على كل أيامي مع منى.
كنت واقف في الزاوية، شايف الناس بتتفرج على الدواليب الفاضية، على الصالون اللي قعدنا عليه، على الحيطان اللي منى اختارت ألوانها بنفسها.
كل حاجة في حياتي كانت بتباع بأرخص الأسعار قدام عينيا.
الشركة راحت، الشقة اتباعت، العربيات اتحفظ عليها، والحسابات اتصفرت.
وبعد ما المزاد خلص والناس مشيت، خرجت من العمارة وأنا معاييش غير هدومي ورصيد بسيط في جيب البنطال لا يكفي غير إيجار أوضة صغيرة فوق سطوح في منطقة شعبية.
بعد ست شهور..
أنا دلوقتي شغال أوفيس بوي ومندوب مبيعات بسيط في شركة صغيرة في ضواحي الجيزة.
بركب الاتوبيس كل يوم الصبح، بشتغل 12 ساعة عشان أقدر أوفر مصاريفي اليومية وأدفع إيجار الأوضة اللي عايش فيها.
مراتي التانية هدى؟
سمعت إنها اتجوزت رجل أعمال كبير بعد قتضيتها بأسبوعين.. مسحتني من ذاكرتها وكأنها ما عرفتنيش في يوم من الأيام.
وأمي؟
بروح أزورها كل يوم جمعة في دار الرعاية بالتجمع.
أمي أكلها وشربها وعلاجها منتظم، الدكتور بيقول إن حالتها الصحية تحسنت كتير.
أمي بتقعد معايا في الجاردن بتاعة الدار، بتتكلم معايا بحنان الأم، بس عينيا دايماً بتشوف النظرة اللي بتفكرني بالأصل: إن اللي بيدفع ثمن الأمان ده كله.. هي منى.
أما منى..
طارق بيكلمني مرة كل بضعة أشهر، مكالمة رسمية مدتها دقيقة واحدة فقط.
آخر مكالمة كانت من شهر.
ـ ألو يا طارق؟ منى عاملة إيه؟
طارق رد بصوت هادي، صوت خالي تمامًا من أي غضب، وده كان أصعب من الغضب نفسه:
— منى خفت يا أحمد. الورم اتأصل تماماً، وأنجزت أول مرحلة من العلاج الفيزيائي، ورجعت لشغلها في ألمانيا وبقت شريكة في دار ترجمة كبيرة هناك.
دموعي نزلوا بهدوء:
— الحمد لله.. الحمد لله يا رب.. هي.. هي افتكرتني أو سألت عني؟
طارق سكت لحظة، وبعدين قال بكل برود:
— لأ يا أحمد. منى نسيت اسمك أصلاً. دكتور التخاطب النفسي هناك قال إنها مسحت الأربع سنين الأخيرة من حياتها كأنهم ما حصلوش. منى عايشة حياتها بابتسامة جديدة، وروح جديدة، وكأنك كنت مجرد عَرَض جانبي لمرض وهي خفت منه بالكامل.
الخط اتقفل.
قعدت على الأرض في الأوضة السطوح، التليفون في إيدي، وصوت الهواء بيلعب في الشباك المكسور.
بصيت لإيديا المتربة من الشغل.. وافتكرت الساعتين اللي اشتريتهم بـ 120 ألف جنيه عشان أرضي غروري.
افتكرت الخيانة، والكدب، والتكبر اللي كان عميني.
أنا دلوقتي حر.. بره السجن، بتنفس، وبمشي في الشارع.
بس الحقيقة؟
أنا مسجون جوه زنزانة مالهاش قضبان.. زنزانة اسمها “الندم”.
كل ليلة، لما بحط راسي على المخدة القاسية، بفتكر كلمتها الأخيرة:
“أنا بس قفلت عليه الباب.. وسيبته جوه.”
وفعلاً.. منى قفلت الباب على حياتي القديمة، وراحت تعيش حياتها..
وأنا فضلت جوه القبر اللي بنيته بإيديا، بعاني كل يوم، وعارف إن أشد أنواع العقاب.. مش إنك تتسجن، العقاب الحقيقي إنك تعيش حُر.. وأنت عارف إنك ما تستاهلش الحياة!

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

مقالات ذات صلة
4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى