
أمي ابتسمت ابتسامة واثقة، وقالت بنبرة قوية: “مكرم ما يعرفش إن المستشفى دي كانت تفتح عيون الواحد على حاجات كتير، وما يعرفش أنا احتفظت بايه طول السنين دي!”
جريت أمي على أوضتها، وفتحت شنطة سفر قديمة جداً كانت جيباها معاها من المستشفى، وطلعت كراس صغير وغلافه متقطع، عبارة عن مذكرات قديمة وأوراق مهمة وثّقت فيها تفاصيل تخص أعماله غير القانونية وتحلوماته المالية طوال السنوات الماضية.
حطت الكراس في إيدي وقالت: “افتحي يا نسمة.. شوفي الأوراق اللي مكرم كان خايف منها طول عمره، دي أدلة على كل تعاملاته المشبوهة وغسيل الأموال اللي كان بيديرها في الخفاء لضمان نفوذه!”
أنا ومايا بصينا لبعض بصدمة.
أمي تابعت بصوت جاد وحاسم: “الورق ده هو اللي كان مخليه مرعوب ومستعد يعمل أي حاجة عشان يخرسنا. إحنا هنقدم المستندات دي للجهات الرقابة والنائب العام فوراً!”
قضينا بقية الليل نراجع الأوراق، وفي الصباح التوجهنا لمكتب محامٍ كبير وموثوق، والذي أكد بدوره أن هذه المستندات كفيلة بإنهاء سيطرة مكرم تماماً وفتح التحقيق في كافة ملفات الفساد والجرائم المرتبطة به.
وبالفعل.. بدأت التطورات تتسارع بصورة كبيرة. صدرت قرارات عاجلة من الجهات القضائية بتجميد أموال وممتلكات مكرم، وداهمت الأجهزة الأمنية الأماكن المذكورة في المستندات، مما أدى إلى سقوط شبكته بالكامل وانكشاف حقيقته أمام المجتمع.
في يوم المحاكمة النهائية، دخلنا القاعة.. أمي كانت ماشية برأس مرفوعة، ومايا بجانبها، وزياد سند لنا جميعاً.
لما دخل أبويا قفص الاتهام، كان متهدمًا ومصدومًا بعد تلاحق الضربات القانونية وضاع كل نفوذه. أول ما عينه وقعت علينا، حاول التهديد للمرة الأخيرة بصوت مهزوز، لكن القاضي حسم الأمر وألزم الجميع بالهدوء.
بدأت المحكمة في تلاوة الأحكام النهائية بعد الاطلاع على كافة الأدلة الدامغة والتقارير الطبية التي أثبتت سلامة أمي عقلياً وبطلان التقارير المزورة السابقة، وثبوت كافة اتهامات التزوير والاحتجاز والفساد المالي.
صدر الحكم القضائي البات بالسجن المشدد لمدد طويلة بحق مكرم، وإحالة باقي المتهمين للتحقيقات الرسمية.
خرجنا من محكمة الجنايات، وكانت الشمس تشرق بسطوع تدفئ قلوبنا بعد عتمة طويلة. لأول مرة منذ 15 سنة، شعرنا بالحرية والعدالة الحقيقية.
مرت الأيام، وبدأت مايا تتعافى تدريجياً وتستعيد استقرارها النفسي بدعمنا الكامل، بينما عادت أمي لمنزلنا لتنير أيامه بالسكينة والأمان. وبعد فترة، تم إتمام زفافي على زياد في أجواء هادئة ومملوءة بالفرحة الصافية بعيداً عن أي كوابيس سابقة.
أدركنا جيداً أن الظلم مهما طال أمده وقسا أصحابه، فإن الحقيقة والعدالة قادرتان دائماً على هدم جدران الباطل وإعادة الحقوق لأصحابها.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




