روايات وقصص

حكايات اسما 2

مرت أسبوعين على حاد، وكانت الفترة دي كفيلة تغير شكل البيت تمامًا. منة بقت إنسانة تانية؛ الهنا والدلع الزيادة راحوا، وقعدت مع نفسها وقفة رجالة. بقت تدخل المطبخ بنفسها، تفتح الفريزر اللي كان ميت، وتطلع اللحمة والفراخ اللي أهلها وأنا بعتناهم، وتتعلم تطبخ أول بأول. أحمد نفسه بقى يرجع بدري من شغله، ملهوف يشوف ريحة الأكل الطبيعي في الشقة، ويشم ريحة البيت اللي بجد بدل ريحة العلب والزبالة اللي كانت كاتمة الأنفاس.

في يوم خميس، لقيت باب شقتي بيخبط، فتحت لقيت أحمد ومنة واقفين قدامي. منة كانت ماسكة صينية صغيرة عليها طبقين شوربة لسان عصفور وصينية صينية رقاق باللحمة المفرومة، ووشها أبيض وفيه ابتسامة خجولة، وقالت بصوت مكسور وحنين:

— يا ماما.. أنا عملت الأكل بايدي.. وعايزاكي تتغدي معانا النهاردة عشان تقوليلي رأيك، وعشان أصلح غلطتي معاكي من الأول.

قلبي حن فورًا، دي طبيعة الأم، مهما شافت بتنسى أول ما تشوف الندم الحقيقي. بصيت لأحمد اللي كان باصصلي بعيون كلها ترجي، وابتسمت وقلت:

— على بركة الله يا بنتي.. يلا بينا.

رحت معاهم، وقعدنا على السفرة، ولأول مرة أحس إن الشقة دي نورت بجد وبقت “بيت” مش مجرد فندق بيناموا فيه. الأكل كان طعمه حلو، وقعدنا نضحك ونسي神的 اللي فات، وحسيت إن الغيمة السوداء اللي كانت فوق راسهم انقشعت أخيرًا.

لكن للأسف، الفرحة في بيت العيلة ما بتكملش على طول، والدنيا دايمًا مخبيا اختبارات تانية.

بعد الشهر ده، وفي يوم الجمعة الصبح بدري، تليفوني رن رنين مزعج وصوته حاد. بصيت في الشاشة لقيت أحمد بيتصل في وقت غير معتاد بالمرة. فتحت وأنا قلبي مقبوض:

— خير يا أحمد؟ في إيه الصبح بدري كده؟!

صوت أحمد كان مكسور، وبيعطش في الكلام كأن ريقه ناشف:

— الحقيني يا ماما.. تعالي حالا.. منة اغمى عليها في الحمام، ومش راضية تنطق خالص!

— نعم؟! طب الاسعاف؟ عملت إيه؟!

— الاسعاف في الطريق، بس تعالي بسرعة أرجكي.. أنا هتموت في إيدي!

قفلت التليفون ولبست عبايتي في ثواني، وطلعت أجري زي المخبولة على شقتهم. أول ما وصلت، كان باب الشقة مفتوح، والاسعاف وصلت وخرجوا بيها مسرعين على المستشفى. ركبت مع أحمد العربية واحنا بنترعش، وطول الطريق عمالة أقرأ قرآة وأستغفر ربنا.

وصلنا مستشفى الطوارئ، ودخلت منة العمليات فورًا. قعدنا قدام الباب أنا وأحمد اللي كان بيعيط زي العيال وماسك دماغه بين إيديه. بعد ساعة طويلة تحسها سنة، طلع الدكتور من باب العمليات وهو شغال بيقلع الجوانتي، ووشه بيكسي عليه الجدية والخوف.

جرينا عليه سوا، وأحمد صرخ:

— مراتي عاملة إيه يا دكتور؟! طمني والنبي!

الدكتور بص لأحمد وبصلي وقال بصوت هادئ:

— هي فاقت الحمد لله، وعدت مرحلة الخطر.. بس للأسف، الحمل نزل.

— حم.. حمل إيه؟! — أحمد نطقها بصدمة.

الدكتور استغرب وقال:

— هو أنتوا ماكنتوش تعرفوا؟! المدام كانت حامل في أسبوعها السادس، بس التسمم الغذائي الشديد اللي جها من شهر، وضعف جسمها الشديد، وعدم تغذيتها الصحيحة لفترة طويلة، أثر على الجنين تمامًا، والنهارده حصل نزيف حاد أدى للإجهاض.

الكلمة نزلت على أحمد زي الصاعقة. سند ظهره على الحيطة ونزل على الأرض قعد يعيط بصوت عالي، ويخبط بايديه على الأرض:

— بسببي.. أنا السبب.. أنا اللي دلعتها وسيبتها تدمر نفسها وتدمر ابني!

أنا حسيت برجلي مش شايلاني. قعدت جنبه، وحطيت إيدي على كتفه، ودموعي نزلت بصمت. بصيت لدكتورة نساء كانت معدية وسألتها بصوت مرتعش:

— ينفع أدخلها يا دكتور؟

— أيوة، بس بهدوء، أعصابها مدمرة ومحتاجة دعم نفسي كبير.

دخلت الأوضة البيضاء، لقيتها قاعدة على السرير، بتبص لحيطة فاضية، وعيونها حمرا كأنها دم، وشفايفها منشفة ومقطعة. أول ما دخلت وشافتني، ما اتكلمتش، بس شهقت شهقة طويلة وراحت في نوبة بكاء هستيري، وفردت دراعاتها ليا وقالت بصوت مجروح:

— ابني راح يا ماما.. راح بسبب إهمالي.. ربنا عاقبني علشان كنت قليلة الأصل معاكي!

جريت عليها، وضميتها لصديري بقوة، وعيطت معاها، وطبطبت على ضهرها وقلت:

— شششش.. اسكتي يا بنتي.. قدر الله وما شاء فعل. ربنا بيمتحن صبركم، ويعوضكم خير إن شاء الله. اللي راح طير من طيور الجنة، وهيشفعلك يوم القيامة. اللي همك دلوقتي صحتك.. أحمد بره مكسور عليكي وعلى ابنه، واقفي جنبه عشان تقوموا مع بعض.

بعد يومين، خرجت منة من المستشفى ورجعت لبيتها، بس رجعت إنسانة تانية خالص. بقت أصلب وأعقل، وبقت تحسب كل خطوة، وعرفت إن الحياة مش شات ودليفري ودلع مزيف، وإن المسؤولية هي اللي بتصنع البيوت وتثبت أركانها.

أحمد جه بوس إيدي وقال لي وهو باصص للأرض بندم:

— سامحيني يا ماما.. أنا ظلمتك لما طلبت منك تعتذريلها.. لو كنت سمعت كلامك من الأول، كان زمان ابني حي.. بس تعيشي وتتعلمي، والحمد لله إن مراتي رجعت لي سليمة.

بصيت له وقلت:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى