روايات وقصص

حكايات اسما 2

— الحمد لله يا ابني.. رب ضارة نافعة، واللي ما يقرصوش الزمن، السنين تكسره.. المهم إنكم فهمتوا الدرس.. والدرس غالي قوي، وغالي أوي كمان.

الجزء ده كتبته بكل تفاصيله ومشاعره، وبدون أي كلام بره القصة، وبشكل طويل ومؤثر عشان يعيشنا جو الأحداث للآخر:

### الجزء قبل الأخير: بداية الروح اللي بتدب في البيت

مرت الشهور بعد الحادثة المرعبة دي، والسنين بتعلم الواحد دروس ما بتتحفظش في كتب. البيت اللي كان هادي وميت، بقى ينبض بروح تانية خالص. منة بقت ست بيت بجد، مش مجرد عروسة حاطة نفسها في أوضة النوم وماسكة الموبايل. بقت تصحى بدري، تجهز الفطور بنفسها، وتروق شقتها، وتستنى أحمد وهو راجع من الشغل بريحة الأكل الجميل والدفيء اللي ينسيه تعب اليوم كله.

أنا كنت بنزلهم وبطلع لهم، وكنت دايماً قاعدة معاهم مش كحماة مراقبة، بل كأم بتطمن وتدعم. شفت بعيني إزاي منة اتغيرت 180 درجة، وبقت تحسب كل قرش وتعرف تدير بيتها بذكاء. وأحمد نفسه بقى راجل بجد، بيقدر تعب مراته، وبيساعدها في طلبات البيت، وعرف إن جوز الشقة مش شطارة في المنظرة، بل تعاون ومودة ورحمة.

في يوم، كنت قاعدة في شقتي ولقيت باب خبط بطريقة سريعة ومقلقة. فتحت، لقيت أحمد واقف ووشه أصفر وبيترعش، وفيه فرحة مخلوطة بخوف ولهفة مش طبيعية:

— الحقييني يا ماما.. تعالي معايا حالا!

قلبي اتقبض ونطيت من مكاني:

— خير يا أحمد؟ منة فيها إيه تاني؟! سُم تاني ولا تعبت تاني؟!

مسك إيدي وقال بصوت متهدج:

— لأ يا ماما.. تعالي بس شوفي بنفسك!

نزلنا جري ودخلت الشقة، لقيت منة قاعدة في الصالة، ماسكة في إيدها شريط تحليل ومسحورة بتبص له، وعيونها مليانة دموع فرحة نازلة زي الشلال. أول ما شافتني، قامت جري وحضنتني وقالت بصوت متبل بالدموع:

— باركيلي يا ماما.. ربنا استجاب لدعائي وعوضني.. أنا حامل!

حضنتها بقوة، والدموع نزلت من عيني من كتر الفرحة. حسيت إن ربنا سبحانه وتعالى بيطبطب على قلوبنا كلنا، وبيعوضنا عن اللي فات، وإن الصبر والمرارة اللي دوقناها الفترة اللي فاتت دي كلها كانت امتحان صغير عشان نعرف قيمة النعمة.

سارة بنتي جت على صوت الزغاريط، وباركت لهم، وبقت الشقة مليانة طاقة إيجابية وفرحة حقيقية ما تتصفش.

بس، زي ما الحياة دايماً ليها وش تاني، ما بتسيبش حد مرتاح للأخر.. وبعد شهرين بالظبط من فرحة الحمل الجديد، وفي نص الليل، رن تليفون البيت بطريقة مزعجة ومرعبة.. رن رنين طويل يقطع ال قلب.

فتحت الخط، وكان صوت أحمد مرعوب، صوته مخلوع من مكانه ومش قادرة حتى يتكلم:

— الحقيني يا ماما.. الحقينا! منة جيلها نزيف فجأة.. والمية اتفجرت عليها.. الحقيني يا ماما بتموت!

أحمد صوته كان بيترعش لدرجة إنه مابقاش قادر يكمل الجملة، وساب التليفون وقع من إيده، وسمعت صوت صراخه في الخلفية:

— الاسعاف يا ماما! تعالي بسرعة!

بدون ما أستوعب أنا لبست إزاي، نزلت أجري على السلالم زي المخابيل، وسارة بنتي جت ورايا وهي بتعيط. وصلنا شقتهم في دقائق، لقينا باب الشقة مفتوح، ومنة واقعة على أرضية الصالة مغمى عليها، والدم حواليها في كل مكان مرعب.

أحمد كان قاعد جنبها ماسك راسها وبيصرخ زي الأطفال:

— هتموت يا ماما.. الحقيني.. هتروح مني زي اللي قبلها!

صوت صفارة الإسعاف قربت، ودخل المسعفون بسرعة جريوا عليها، حطوها على النقالة وركبت معاهم أنا وأحمد في عربية الإسعاف، وطول الطريق عيني ما نزلتش من على وجهها الأصفر الشاحب، كنت بمسح دموعي بإيدي وبدعي بصوت مسموع:

— يارب.. استودعتك إياها وجنينها.. يارب ما تحرق قلب ابني ولا تحرمني منها.. دي تابت ورجعت لك يا رب!

وصلنا مستشفى الطوارئ، ودخلت عمليات الولادة والطوارئ فوراً. الساعات اللي قعدناها بره على كراسي الانتظار كانت أطول من سنين عمري كلها. أحمد كان بيمشي رايح جاي في الممر، عيونه حمرا، وإيديه بتترعش كأنه مصاب بمرض، وكل شوية يبص لباب العمليات ويدعي بخشوع أول مرة أشوفه فيه.

بعد ثلاث ساعات تحسهم ثلاث دهر، اتفتح باب العمليات وطلع الدكتور، ووشه بيكسي عليه التعب الشديد. جرينا عليه أنا وأحمد في نفس واحد:

— طمنا يا دكتور.. مراتي وابني عاملين إيه؟!

الدكتور تنفس بعمق، وبص لأحمد وقال بابتسامة خفيفة هدّت النار اللي في قلبنا:

— الحمد لله.. ستر ربنا كان واسع أوي. المدام دخلت في ولادة مبكرة طارئة بسبب هبوط حاد ونزيف، بس الحمد لله قدرنا نسيطر على الوضع في اللحظة الأخيرة. هي فاقت دلوقتي وحالتها مستقرة.

أحمد وقع على ركبتيه في الأرض وسجد شكر لله، وعيط بصوت عالي من كتر الفرحة. وسارة حضنتني وبقينا نعيط سوا من روعة الجبر.

سألت الدكتور برعشة في صوتي:

— والجنين يا دكتور؟! طمني والنبي!

الدكتور ابتسم وقال:

— ولد زي القمر.. صحيح وزنه قليل شوية وحطناه في الحضانة للاطمئنان، بس تجاوز مرحلة الخطر تمامًا.

دخلت أنا وأحمد غرفة الإعاشة. منة كانت نايمة على السرير، وشها أهون بكتير من الأول، وأول ما فتحت عيونها وشافتني أنا وأحمد، نزلت دموع الارتياح من عيونها. قربت منها، وبست راسها، وقعدت جنبها مسكت إيدها الباردة:

— حمد لله على سلامتك يا أم أحمد.. ربنا عوض صبرك خير.

بصت لأحمد اللي كان واقف باصص لها وعيونه كلها حب ودموع، وقالت بصوت ضعيف وجميل:

— أحمد.. ابننا بخير؟

أحمد قرب منها، ووطى باس راسها وإيدها وقال بصوت متهدج:

— بخير يا قلب أحمد.. وبفضل الله وبفضل دعاء أمي، ربنا جعله من نصيبنا.. سامحيني يا منة، وسامحيني يا ماما على كل لحظة وجعتكم فيها.

منة ابتسمت بضعف وبصت لي وقالت:

— ماما.. أنا اللي أسفة.. لولا قرصتك ليا، وقوتك اللي وقفتي بيها قصادي، كنت ضيعت بيتي وابني وجوزي بيدي.. أنا اتعلمت الدرس، ومستحيل أفرط في بيتي تاني أبدًا.

حضنتها بقوة، وحسيت إن المرارة اللي دوقناها السنين اللي فاتت دي كلها كانت مجرد مطبات صعبة، ربنا كتبها علينا عشان يعلمنا إن البيوت مش بتتأسس بالدلع ولا بالمظاهر، البيوت بتتأسس بالوعي، والمسؤولية، والستر، وقلوب الأمات اللي دايماً بتشوف بعيون تانية خالص.

رجعنا بيوتنا، والحياة دبت في الشقة من تاني، بصوت عياط الصغير وبضحك أحمد ومنة. وساعتها بس عرفت إن القدر لما بيبتلينا، بيكون بيكتب لنا بداية جديدة أحسن وأقوى بكتير من اللي فاتت.

 

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى