
كانت الأنفاس محبوسة في صدري، ويداي تقبضان على المستندات والعلبة الخشبية بكل ما أوتيت من قوة. كان الضوء يقترب تدريجياً من باب المطبخ، والخطوات تقترب بخطوات معدودة… هل ستنتهي قصتي هنا في الظلام، قبل أن أرى عدالة السماء تتحقق بالكامل؟ أم أن هناك مفاجأة أخرى تخبئها الأقدار في الفصل الأخير؟
صوت خطواتهما الثقيلة كان يقترب ببطء، وكأن كل خطوة تدق نعشاً لوجودي. الضوء المتحرك من كشاف الملطم بدأ ينعكس على حوائط المطبخ المظلم، ورائحة الغبار والتراب امتزجت بأنفاسنا المتسارعة والمحبوسة.
فوزية كانت تكتم صرخاتها بيدها، ودموعها تنهمر بصمت على وجهها المرتجف. أما أنا، فكانت عيناي مثبتتين على باب المطبخ المفتوح، ويدي تقبض بإحكام شديد على العلبة الخشبية والمستندات التي تحكي قصة حياة أبي وحقه المهدور.
دخل أحد الملثمين إلى المطبخ مباشرة، ووجه كشافه القوي نحو الزاوية التي نختبئ فيها. شعرت أن الوقت قد توقف، وأن اللحظة الأخيرة قد حانت لا محالة!
رفع الملثم أداة صغيرة بتوعد وقال بصوت أجش وخشن:
— لقيتهم يا معلم… اطلع ورَيني هتهربي فين تاني يا ليلى!
قبل أن يمد يده ليجذبني من ملابسي، وقبل أن يكتمل كابوس النهاية، حدث ما لم يكن في الحسبان!
فجأة، انفتح باب المطبخ الخلفي المؤدي إلى الحديقة بضربة عنيفة ومفاجئة، وانبعثت أضواء كاشفة وقوية جداً عمت المكان بأسره، تلتها أصوات صراخ واشتباك سريع وحاسم:
— إنا جهات الأمن! ارموا الأداة مكانكم ولا تتحركوا!
لم تكن سوى ثوانٍ معدودة حتى انقضّت قوة أمنية مختصة كانت تحيط بالبيت في كمين محكم ومدروس، وألقت القبض على الملثمين بطريقة احترافية قبل أن يتمكنا حتى من فعل أي شيء. سقطت الأداة من أحدهما على الأرض بصوت معدني، وتدحرجت بعيداً، بينما أُلقي بهما على أرضية المطبخ مقيدي الأيدي.
تقدّم ضابط الأمن بخطوات ثابتة، ودخل المطبخ، وبوجه بشوش ومطمئن نظر إليّ وقال:
— الحمد لله على السلامة يا مدام ليلى… الأشخاص المتبقيون من الشبكة انتهوا تماماً، ومفيش أي خطر تاني على حياتك.
خرجت من مخبئي بصعوبة، وقد تسلل التعب والإرهاق إلى كل ذرة في جسدي، بينما ساعدت فوزية على النهوض وهي ترتجف من شدة الصدمة. استندت على الحائط، وأنا أرى الملثمين يُساقون إلى خارج المنزل مقيدي الأيدي.
لم يكن هؤلاء سوى الذراع الأخير لرجال الأعمال الفاسدين الذين أرهبوا الحي لعقود، وبسقوطهم، انكسرت الحلقة الأخيرة من السلسلة المظلمة التي قيدت حياة عائلتي طوال سبعة وثلاثين عاماً.
في الصباح التالي، عادت الشمس تشرق ببهجة ونقاء على الحي الهادي. النوافذ فتحت على مصراعيها، والأمور استقرت تماماً. انتهت مرحلة الخوف والضغط، وبدأت رسمياً صفحة جديدة بيضاء وخالية من الأسرار.
أسستُ المؤسسة الخيرية الكبرى باسم والدي، تخليداً لذكراه ومساعدةً للمحتاجين والفقراء بفضل أموال الحاج سليم التي تركها وصية صادقة لتكفير عن ذنبه القديم. وعاشت معي فوزية كأخت وصديقة وفية تونس وحدتي في هذا البيت الذي تحول من منزل مشؤوم إلى رمز للحق والعدل والانتصار.
جلست في الجنينة ذات صباح، أشرب قهوتي بهدوء وأتأمل شتلات الورد المزهرة التي أصبحت تزين المكان بكل ألوانها، وأدركت أخيراً أن الظلم مهما طال ليله، فإن فجر الحق لا بد أن يظهر ساطعاً جلياً، وأن حقوق الأبرياء لا تضيع أبداً ما دام هناك من يملك الشجاعة ليكتب النهاية الحقيقية للحكاية.




