
وحسيت الأرض بتلف بيا وصوت علاء الخبيث بيرن في ودني زي الصدى المريض. النفس اتقطع من صدري، وأول حاجة جت في بالي هي يوسف.. ابني الوحيد اللي طلعت بيه من الدنيا دي كلها. مسكت التليفون بكل قوتي لحد ما صوابعي أبيضت، وزعقت بصوت مكتوم ومليان قهر: “علاء! أنت تجننت؟ أنت بتهددني بابنك؟ خطف ابنك يا علاء؟!”
رد عليّ ببرود مرعب وضحكة صفرا كانت باينة من ورا الخط: “خطف إيه يا هانم؟ ده ابني.. ابني الشرعي والقانوني، وأنا أخدته الفسحة اللي حر متيه منها. بس لو عاوزاه يرجع لرباط جزمتك وتشوفيه بيلعب جنب منك تاني، بكرة الصبح الساعة تسعة تكوني واقفة قدام شهر العقاري في جاردن سيتي. الأوراق كلها تتنازل عنها ليا.. العمارة، الشركات، ومحق الوقوف بتوع عمك توفيق.. ترجعي زي ما دخلتي بيتي، حافية وملكيش إلا القرشين اللي بادهملك كل شهر.”
“ولو رفضت يا علاء؟” سألته وصوتي بيرتجف من الغضب.
“لو رفضتِ.. يبقى انسي إن ليكي ولد اسمه يوسف. هسافر بيه برة مصر في أول طيارة طلعت بكرة الفجر، وأنتي عارفة إن معاي پاسبوره وتفويض السفر القديم اللي كنتِ ماضية عليه السنة اللي فاتت لما كنا مسافرين دبي. فكري كويس يا كريمة.. الفلوس والعقارات، ولا ابنك؟”
سد السكة في وشي من غير ما يديني فرصة أرد.
وقفت في وسط الكافيه وأنا مش قادرة ألتقت نفسي. المحامي الأستاذ عادل لاحظ شحوب وشي ووقوفي المفاجئ، قام بسرعة من على الكرسي وقال بانتفاضة: “خير يا كريمة هانم؟ فيه إيه؟ علاء بيه قالك إيه؟”
“خطف يوسف يا أستاذ عادل..” قلتها بصوت طالع بالعافية من حلقي اليابس: “أخده من النادي ويهددني يسفره برة البلد بكرة الفجر لو متنازلتش عن كل الورث باسمه.”
الأستاذ عادل وشو اتغير وظبط نظارته بسرعة: “سفر برة البلد؟ التفويض القديم اللي معاه لسة ساري؟”
“أيوة.. كنا عاملين تفويض مبادلة في الشهر العقاري السنة اللي فاتت لما سافرنا دبي، وما لغيتهوش!”
عادل مسك ملفاته بسرعة وقال بصرامة وصوت محترف: “يبقى مفيش وقت نضيعه في العياط والانهيار يا هانم. الحركة دي هي اللي هتوديه في ستين داهية وهتقفل عليه كل الأبواب. علاء بيلعب أوراق خسارة وبيرمي بأخر كارت عنده. اسمعيني كويس ونفذي اللي هقولهولك بالحرف.”
خرجنا من الكافيه بنجري. أول حاجة عملها الأستاذ عادل إنه اتصل بضابط برتبة عميد في المباحث العامة من معارف المرحوم عمي توفيق. شرحله الوضع بسرعة: “سيادة العميد، معانا بلاغ خطف طفل وتهديد بتهريبه خارج البلاد باستخدام تفويض مزور الإرادة، والمخطوف ابن كريمة الألفي ورثة توفيق الألفي.”
الضابط أخد بيانات علاء ورقم عربيته وبلاغ النادي اللي اتخطف منه الولد. وفي نفس الوقت، عادل طلّع من شنطته لابتوب صغير وفتح البوابة الإلكترونية لوزارة الداخلية والنيابة العامة.
“كريمة هانم،” عادل قال وهو بيسوق العربية بسرعة جنونية في اتجاه قسم الشرطة: “إحنا هنعمل حاجتين في نفس الوقت. الأولاني: إدراج اسم الطفل ‘يوسف علاء الدين’ على قوائم المنع من السفر وتتبع الموانئ والمطارات فورًا بموجب أمر وقتي من قاضي الأمور الوقتية، وده هيخلص في خلال ساعة واحدة لأن معانا أوراق أثبات النزاع القضائي الشديد بينكم. والتاني: هنعمل أكمنة على الشقق اللي يملكها علاء أو يسجلها باسمه.”
وصلنا قسم الشرطة، وتحرر محضر رسمي بالواقعة. بس أنا ماكنتش قادرة أقعد أستنى الإجراءات القانونية تاخد وقتها. عقلي كان شغال زي النار. علاء مش هيروح شقته القديمة، ولا هيروح بيت سعاد بعد ما سامح طردها وضربها. علاء كائن جبان ومغرور، ولما يتزنق بيروح للمكان اللي يحس فيه بالأمان والمظهرة.
افتكرت حاجة.. شالية صغير كان مأجره باسم صاحبه الانتيم ‘مدحت’ في الساحل الشمالي، وكان ديما بياخد سعاد فيه في السر أو يهرب ليه لما الشغل يتقل عليه.
مسكت التليفون واتصلت بـ سامح.. أخو علاء.
سامح رد بصوت مكسور ومهزوم: “ألو.. يا كريمة.”
“سامح،” قلتله بنبرة حادة ومباشرة: “أخوك خطف يوسف ويهددني يسفره برة البلد عشان يسبتني وأتنازل عن الورث. لو أنت فاضل فيك ريحة رجولة أو نضف فيك عرق واحد من عيلة الألفي، قولي علاء واخد الولد وفين دلوقتي؟”
سامح سكت ثواني، وسمعت صوت تنهيدة طالعة من قعر صدره: “علاء جالي من ساعة يا كريمة.. كان معاه يوسف، وكان عاوزني أساعده أخد أوراق التفويض وساسبورتات الولد من الخزنة بتاعة المحل. بس أنا ضربته وطردته بعد ما عرفت اللي عمله مع سعاد.. قالي إنه رايح الشالية بتاع مدحت في طريق السخنة، مش الساحل.. الشالية اللي اشتراه تحت السلم.”




