
“طريق السخنة؟ أنهم قرية؟”
“قرية المرجان.. كيلو 45. الشالية رقم 112. روحي يا كريمة الحق ابنك، وعلاء حسابي معاه عسير بعد ما جاب داغ العيلة كلها في التراب.”
قفلت السكة مع سامح وبصيت للأستاذ عادل: “عرفت مكانه.. قرية المرجان في السخنة، شالية 112.”
عادل اتصل فورًا بالعميد في المباحث وأداه القوة والمكان، ومشينا بعربيتين شرطة ومعانا قوة من المباحث المتجهة للعين السخنة. طوال الطريق اللي كان بياخد ساعة ونص، كنت ببتسم ابتسامة وجع.. علاء افتكر إن كارت يوسف هو اللي هيخليني أركع، وماعاديش يعلم إن الكارت ده هو اللي هيحفر القبر اللي هيدفن فيه مستقبله للابد.
وصلنا القرية على الساعة عشرة بالليل. القرية كانت هادية والدنيا ضلمة، والقوة الأمنية نزلت بهدوء وحاصرت الشالية رقم 112.
العميد قرب من الباب وغمز للعساكر. ضربوا الباب بكتفهم واقتحموا المكان في ثواني.
علاء كان قاعد في الصالون ومسك كاس في إيده، يوسف كان نايم على الكنبة جوة ومغطى ببطانية. أول ما الباب اتكسر والدخلة العنيفة حصلت، علاء اتخض والكاس وقع من إيده فاتكسر على الأرض، ووقف مرعوب والشرطة محاوطاه بالسلاح.
“إيه ده؟! فيه إيه؟! أنتم مين ودخلتم هنا إزاي؟!” علاء كان بيصرخ بصوت طالع بالعافية وشفايفه ببتلجلج.
طلعت من ورا الضابط، وبصيتله بجمود: “دخلنا ناخد يوسف يا علاء.. وناخد حقنا منك بالقانون.”
علاء بصل مرعوب وبص للضابط: “يا باشا دي مراتي وده ابني! مفيش خطف ولا حاجة! إحنا بنقضي يومين في السخنة!”
العميد قرب منه ومسكه من ياقة قميصه بقوة: “مرتك أيه وابنك إيه يا متهم؟ مرفوع ضدك محضر خطف وتفتيش ومساومة بأمر النيابة العامة، ومسجل عليك مكالمات تهديد بالخطف والتسفير لخارج البلاد! أركب العربية وأنت ساكت!”
يوسف صحي على الصوت وكان خايف وبيعيط. جريت عليه وحضنته بكل قوتي، ودموعي نزلت لأول مرة من بداية اليوم. بست راسه وإيديه وأنا بوشوشه: “خلاص يا حبيبي.. ماما هنا، مفيش حاجة هتأذيك تاني أبدا.”
علاء وهو بيتسحب بالكلبشات في إيده، بصلي بعيون مليانة كراهية وانكسار وحقد، وزعق وهو بيتجر لبرة: “مش هسيبك يا كريمة! والله ما هسيبك! هخرج منها وهوريكي!”
رديت عليه وأنا حاضنة ابني وبصاله بعيون من حديد: “مش هتخرج يا علاء.. القضايا اللي عليك بكرة الصبح من تزوير، لخطف، لابتزاز، لإخلال بالعقود، هتخليك تقضي بقية شبابك جوة السجن. والفقر اللي كنت عاوز تدوقهولي.. أنت اللي هتعيشه في برودة الزنزانة.”
اتأخد علاء في عربية الترحيلات، ورجعت أنا ويوسف والأستاذ عادل للقاهرة.
تاني يوم الصبح، كانت الأخبار انتشرت في العيلة زي النار في الهشيم. سامح طلق سعاد طلاق بائن ورمى هدومها في الشارع، ومكتبها العقاري اتقفل بالشمع الأحمر بقرار من المحكمة بسب قضايا التزوير وفروق الإيجارات المتأخرة. أما شركة “الشهاب للهندسة”، فمجلس الإدارة فصل علاء رسمياً من منصبه كمدير، ورفعوا عليه قضية إساءة أمانة وتشويه سمعة الشركة.
قعدت في مكتبي الجديد في عمارة المهندسين، المكتب اللي كان أصل ملكيته لعمي توفيق والنهاردة بقى المقر الرئيسي لشركتي الجديدة “الألفي لإدارة الأصول والتطوير العقاري”.
الأستاذ عادل دخل عليّ ومعه ملفات جديدة وحطها قدامي على الترابيزة: “صباح الخير يا كريمة هانم.. النيابة أمرت بتجديد حبس علاء 15 يوم على ذمة التحقيق في قضايا الخطف والابتزاز والتزوير. وسعاد أترفع عليها قضية إفلاس رسمي وتزوير عقود رسمية.”
بصيت للأوراق بهدوء، رفعت رأسي وبصيت من شباك المكتب الكاشف للقاهرة كلها. الشورة كانت واضحة والنصر كان كامل.. بس جوايا كنت عارفة إن الصفحة دي لسة مفيهاش نقطة النهاية.
التليفون المكتبي رن. رفعت السماعة: “ألو؟”
صوت ست جاد وبارد جه من الناحية التانية: “أهلاً يا كريمة هانم.. أنا المحامية الخاصة بـ ‘سعاد هانم’. حبيت أبلغك إن الموكلة مش ناية تسكت، ومعانا مستندات قديمة بخط إيد المرحوم توفيق بيه، بتثبت إن ثلث الثروة دي ملك لسعاد بعقد بيع وشراء مستتر ومسجل من عشر سنين.. نتقابل في المحكمة بكرة، ولا تحبي نحلها ودي؟”
سكنت ثواني وأنا ماسكة سماعة التليفون، والضحكة الباردة اتسربت لملامحي من جديد. المحامية كانت فاكرة إن الكارت ده هيهزني أو يخليني أتردد، بس هي مكنتش تعرف إن الشخصية اللي قدامها النهاردة مش هي نفس كريمة الطيبة الساذجة بتاعة زمان.
رديت بنبرة واثقة وثابتة زي الصخر: “عقد بيع وشراء مستتر ومسجل من عشر سنين؟ والله برافو يا أستاذة.. سعاد لحقت تفبرك الأوراق دي امتى؟ أصل المحامية الشاطرة زي حضرتك لازم تكون عارفة إن عمي توفيق من عشر سنين—وتحديدًا سنة 2016—كان أصلاً بيمر بأزمة صحية وموجود في ألمانيا وبيمضي بختم ورمز كود إلكتروني معتمد من السفارة المصرية هناك، ومش بالخط ولا البصمة اليدوية. نتقابل في المحكمة بكرة يا أستاذة.. بس جهزي موكلتك لقضية تزوير جديدة في محررات رسمية واستعمال محرر مزور!”
سمعت صوت ارتباك المحامية على الناحية التانية وهتأت بكلمتين قبل ما تقفل السكة بسرعة. حطيت السماعة بهدوء، وبصيت للأستاذ عادل اللي كان متابع المكالمة وابتسامة الإعجاب على وشه.
“كريمة هانم،” عادل قال وهو بيفتح أجهزة اللابتوب: “ردك كان صاعقة.. بس سعاد مش بتلعب لوحدها. أنا عملت تحريات سريعة عن المحامية دي، واكتشفت إنها التابعة لشركة ‘المتحدة للإستثمار’.. ودي الشركة اللي كانت بتنافس عمك توفيق في أخر أيامه، وكانت محتاجة بأي طريقة تحط إيدها على عمارة المهندسين ومقر الشركة.”
قمت وقفت وربعت إيدي وأنا بطل من الشباك: “يعني سعاد راحت ترمي نفسها في أحضان المنافسين عشان ينتقموا مني؟”
“بالظبط كده.. اتفقوا معاها إنهم يتكفلوا بمصاريف المحامين وقضاياها، وفي المقابل هي تجيب أي ورق أو ثغرة تهز موقفك القانوني وتخليهم يدخلوا شركاء في التركة أو يضغطوا عليكي للبيع بشروط ميسرة.”
قلت بصرامة: “يبقى كشفت كروت لعبة جديدة. سعاد فاكرة إنها بتتحالف مع الكبار، ومش فاهمة إن الكبار دول هيضحوا بيها في أول لفة. أستاذ عادل.. ابدأ فوراً في رفع دعوى تعويض عن الأضرار المادية والمعنوية ضد سعاد والمكتب الهندسي بتاعها، واطلب حجز تنفيذي على كل ممتلكاتها وحساباتها البنكية سداداً لفروق الإيجارات وقضايا التزوير الثابتة عليها.”




