روايات وقصص

وصلت البيت حكايات رومانى مكرم 2

في نفس اليوم الساعة أربعة العصر، جاتلي مكالمة من قسم الشرطة. الضابط بلغني إن علاء طلب مقابلتي في حضور محاميه قبل ما يتنقل للنيابة العامة لتجديد الحبس. الأستاذ عادل نصحني ماروحش، بس أنا أصرت أروح. كنت عاوزة أشوف علاء في هوانه الأخير.. كنت محتاجة أقف قدامه وأنا المالكة لكل حاجة، وهو الخاسر لكل حاجة.

وصلت القسم، ودخلت غرفة الزيارة. علاء كان قاعد على الكرسي، وشه شاحب، دقنه نبتت، والكلبشات في إيده. كان باين عليه الانكسار والهزيمة. أول ما دخلت، رفع عينيه ليا.. مكنش فيهم الكبرياء والغرور بتوع زمان، كان فيهم رجاء ومسكنة تضايق من رخصها.

قعدت قدامه على الناحية التانية من الترابيزة، وحطيت رجل على رجل بهدوء.

“كريمة..” علاء بدأ يتكلم بصوت مهزوز وواطي: “أنا عارف إني غلطت.. عارف إني طمعت وتعميت، وسعاد هي اللي جرتني للكهف ده.. هي اللي كانت بتقنعني كل يوم إنك مش محسوبة عليا وإنك شايفه نفسك علينا بسبب فلوس عمك.”

ابتسمت بسخرية: “سعاد؟ دلوقتي بقت سعاد هي الشيطان وأنت الحمل الوديع؟ أنت اللي كنت بتخونني في بيتي يا علاء.. أنت اللي قلتلي دوُقي عيشة الفقر.. وأنت اللي خطفت ابني وهددتني بيه!”

دُمعت عينيه وحاول يمد إيده المكلبشة ناحيتي: “كنت مجنون! الشيطان دخل بيننا.. ارجوعك يا كريمة، بلاش تدمري مستقبلي بالكامل. يوسف ابننا.. بلاش يشوف أبوه محبوس في قضايا خطف وتزوير. أتنازلي عن البلاغ، وأنا أوعدك أكتبلك تنازل عن كل حاجة وأطلقك بهدوء وأبعد عن حياتك خالص!”

بصيتله بجمود كأني ببص لواحد غريب تماماً: “تنازل إيه يا علاء اللي بتساومني بيه؟ أنت أصلاً متبقاش معاك حاجة تتنازل عنها! الشقة باسم الوقف اللي أنا ملكته، شغلك وفصلوك منه، وسمعتكقتلتها بنفسك. تنازلك مالوش قيمة. وأما عن يوسف.. فيوسف هيعرف إن أمه واجهت الخيانة بقوة وحمت حقه، ومش هيشوفك في السجن إلا لو أنت أصرت تمشي في طريق سعاد والمنافسين.”

علاء اتنفض ومسك في حرف الترابيزة: “منافسين إيه؟ أنتي بتتكلمي عن إيه؟”

“عن سعاد والشركة المتحدة اللي محركينها ضد أملاكي.. لو تحب تخرج من قضية الخطف دي بكفالة أو أتنازل عن حتة الابتزاز بس، يبقى هتقدم للنيابة كل الشهادات والأوراق اللي تثبت إن سعاد هي اللي خدرت ودنك وهي اللي زورت العقود القديمة، وتتحول لشاهد إثبات ضدها وضد الشركة المنافسة!”

علاء بلع ريقه وصدمته كانت كبيرة.. بص لمحاميه اللي كان واقف وراه وهز راسه بسرعة. علاء نطق بقلة حيلة: “موافق.. هقول كل حاجة في النيابة. هعترف بسعاد والشركة المتحدة وكل حاجة اتخططت، بس تطلعي يوسف من اللعبة ومتحبسنيش يا كريمة!”

قمت وقفت، ونفضت فستاني ببرود: “المحامي بتاعي هيتابع مع النيابة يا علاء.. وأي خروج عن الاتفاق، هترجع تتسحب على السجن في قضية خطف وإتجار بالأطفال.”

سبته وخرجت، وصوت عياطه واستعطافه كان بيرن ورايا في الممر. حسيت بانتصار نقي.. أعدائي بدأوا ياكلوا في بعض.

تاني يوم الصبح، علاء أدلى بأقواله كاملة قدام وكيل النيابة. كشف كل المخطط اللي كانت سعاد بتجهزه مع رئيس مجلس إدارة شركة “المتحدة للإستثمار” عشان يضغطوا عليا للبيع واستغلال ثغرات الورث. النيابة أصدرت فوراً أمر ضبط وإحضار لـ سعاد، ولرئيس الشركة المنافسة بتهمة التآمر والتزوير والتحريض على الابتزاز.

في أخر اليوم، كنت قاعدة في فيلا المهندسين اللي بدأت أجددها عشان أنقل فيها أنا ويوسف. الأستاذ عادل جالي ومعه إعلام الوراثة النهائي وحكم الحراسة وتثبيت الملكية المطلقة بكل الأملاك والشركات والعقارات باسمي وباسم يوسف.

“ألف مبروك يا كريمة هانم،” عادل قال بثقة: “القضية كسبناها بنسبة 100%. سعاد حالياً مقبوض عليها وموجودة في التخشيبة، وعلاء أتحول لشاهد ملك بس طُلق رسمياً منك بالضرر وحكم النفقة والحضانة لصالحك للأبد. العمارة والشركات بقوا ملكك الخالص، والشركة المتحدة قدمت طلب تسوية واعتذار رسمي وخروج من السوق.”

تنفس بتعمق وأنا حاسة إن جبل كان على صدري وانشال. الحضن اللي ضميت بيه يوسف ابني في اللحظة دي كان أحلى طعم للنصر.

بس وأنا براجع أخر ورقة في ملف التركة اللي سابهالي عمي توفيق قبل ما يموت، وقعت من وسط الملفات ظرف أسود مقفول بالشمع الأحمر، ومكتوب عليه بخط عمي توفيق نفسه: “إلى كريمة.. لا تفتحي هذا الظرف إلا بعد أن تنتصري على الجميع وتستردي حقك بالكامل.”

فتحت الظرف بإيد بترتجف.. وطلعت منه ورقة مطوية بصورة قديمة. أول ما قريت السطور الأولى، عيني وسعت ودمي اتجمد في عروقي.

عمي توفيق مكنش سايبلي الـ 30 مليون والعقارات بس.. كان سايب سر خطير عن عيلتنا كلها، وعن السبب الحقيقي اللي خلاه يكتبلي أنا بالذات كل أملكه ويبعد علاء وسعاد والعيلة كلها! سر يقلب كل الموازين ويرجع يفتح أبواب جحيم جديدة مكنتش أتوقعها أبداً…

أصوابعي كانت بتترعش وأنا بفرك الشمع الأحمر المكسور، والورقة المطوية بين إيديا زي الجمرة. صمت الفيلا كان مرعب، ويوسف ابني نايم في الأوضة اللي جنب المكتبي بسلام، بعد أيامات من الرعب. الأستاذ عادل كان واقف بيبصلي بفضول متوتر، مش فاهم السر اللي خلاني أقف متثبتة في مكاني والشحوب يرجع لوشي بعد لحظات من فرحة النصر.

فتحت الورقة، وكان خط عمي توفيق الثقيل والواضح مالِي الصفحة، وتحت منه رسم كروكي شجري للعيلة، وتاريخ قديم يرجع لسنة 1995.

“كريمة يا بنتي..

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى