
لفصل الثالث: ليلى
فضلت واقفة في طرقة المستشفى، والموبايل في إيدي، كأني نسيت إزاي أتحرك.
الجملة كانت واضحة جدًا.
“ولو مراتك عرفت إن ليلى بنتك… كل حاجة هتضيع.”
ليلى بنتك.
رجعت قريتها مرة.
واتنين.
وعشرة.
كل مرة كنت مستنية الكلمة تتغير.
لكنها ما اتغيرتش.
حسيت إني مش قادرة آخد نفسي.
قعدت على أول كرسي قابلني.
إيدي كانت ساقعة.
وقلبي بيدق بسرعة غريبة.
بنت.
جوزي عنده بنت.
مش بس بنت…
بنت عندها أربع سنين.
يعني اتولدت وإحنا متجوزين.
قفلت عيني.
وفجأة، حاجات صغيرة جدًا من سنين بدأت ترجعلي.
سفرية شغل كل شهرين.
مواعيد كان يقول إنها اجتماعات متأخرة.
مرات كان يرجع فيها ساكت ومجهد.
مرات كان يرفض أروح معاه مشوار بحجة إنه “شغل وممل”.
وأنا؟
كنت بصدقه.
مش لأني ساذجة.
لكن لأني كنت واثقة فيه.
الثقة ساعات بتخلي الإنسان ما يسألش أسئلة كان المفروض يسألها من زمان.
فتحت الألبوم المخفي تاني.
كان فيه صور كتير.
ليلى وهي عندها سنة.
ليلى في حضانة.
ليلى بتفتح هدية.
ليلى نايمة على كتف أحمد.
وكل ما كنت بنزل لتحت…
كنت بحس إن كل صورة بتاخد جزء من حياتي وتكسّره.
آخر صورة كانت من أسبوع واحد بس.
أحمد وليلى قاعدين في كافيه.
والطفلة حضناه من رقبته.
وتحت الصورة تعليق:
“بابا وعدني إنه هييجي معايا المستشفى.”
غمضت الموبايل بسرعة.
في اللحظة دي سمعت صوته من جوه الأوضة:
—مريم؟
انتفضت.
رجعت له.
دخلت وأنا بحاول أخلي وشي ثابت.
أول ما شافني قال:
—الولاد كويسين؟
قلت:
—آه.
سكت شوية.
بعدين قال:
—إنتِ كويسة؟
بصيت له طويل.
كنت نفسي أقول له:
“لأ، أنا اكتشفت إن حياتي كلها كذبة.”
لكن قلت:
—متوترة بس.
مد إيده ناحيتي.
—تعالي اقعدي جنبي.
قربت.
قعدت.
فضل ماسك إيدي.
والغريب…
إن لمسته كانت لسه مألوفة.
نفس الإيد اللي كنت بنام وأنا ماسكاها.
نفس الإيد اللي شالت ولادنا أول مرة.
ونفس الإيد اللي كانت بتحضن طفلة تانية وبتخبيها عني.
قلت فجأة:
—أحمد…
—نعم؟
—لو في حاجة كبيرة جدًا مخبيها عني… ممكن تقولها دلوقتي؟
وشه اتشد.
بس بسرعة رجع طبيعي.
قال:
—إيه السؤال الغريب ده؟
قلت:
—مش عارفة… يمكن الحادثة خلتني أفكر.
ضحك ضحكة قصيرة وقال:
—يا مريم، أنا ما عنديش حاجة أخبيها عنك.
الجملة نزلت عليا أتقل من أي اعتراف.
لو كان اعترف…
يمكن كنت أقدر أفهم.
لكن إنه يبصلي في عيني ويكدب؟
دي كانت حاجة تانية.
قمت من الكرسي.
قلت:
—هجيبلك مية.
طلعت برا.
وبمجرد ما الباب قفل، فتحت الموبايل تاني.
كنت بدور على رقم سلمى.
لقيته محفوظ جوه التطبيق باسم:
“S”
بس.
أخدت الرقم على موبايلي.
وقعدت أبصله.
اتصل؟
ما اتصلش؟
فضلت ثواني طويلة.
وبعدين ضغطت.
رن مرة.
مرتين.
تلاتة.
رد صوت ست.
—ألو؟
سكت.
قالت:
—ألو؟
بلعت ريقي.
قلت:
—سلمى؟
سكتت هي كمان.
وبعدين قالت بحذر:
—مين معايا؟
قلت:
—أنا مريم… مرات أحمد.
الصمت اللي حصل بعدها كان كفاية يجاوب على أسئلة كتير.
سمعت نفسها يتغير.
قالت:
—مريم…
قلت:
—إنتِ تعرفيني؟
إنتِ تعرفيني يا سلمى؟
قالت بصوت واطي:
—آه.
حسيت قلبي وقع.
قلت:
—ليلى مين؟
فضلت ساكتة.
قلت بحدة:
—أنا سألت سؤال واضح. ليلى مين؟
سمعت صوت طفلة من بعيد:
—ماما… بابا جاي إمتى؟
تجمدت.
الصوت كان صغير.
بريء.
وسلمى بعدت عن التليفون بسرعة.
لكن فات الأوان.
أنا سمعت.
قلت:
—هي دي ليلى؟
سلمى بدأت تعيط.
قالت:
—مريم… أنا كنت أتمنى ما تعرفيش بالطريقة دي.
قلت:
—تعرفي إيه؟ إن جوزي عنده بنت منك؟
ردت بسرعة:
—الموضوع مش زي ما إنتِ فاكرة.
ضحكت ضحكة عصبية.
—كل واحدة بتقول نفس الجملة.
قالت:
—والله الموضوع مختلف.
—يبقى قولي.
سكتت.
وبعدين قالت:
—أحمد مش أبو ليلى بالطريقة اللي إنتِ متخيلاها.
سكت أنا المرة دي.
قلت:
—يعني إيه؟
قالت:
—مش هينفع أقولك في التليفون.
قلت:
—لأ، هينفع. وهتقولي دلوقتي.
سمعت شهقتها.
وبعدين قالت:
—ليلى… بنت أخوه.
حسيت دماغي وقفت.
قلت:
—أخوه مين؟
قالت:
—أخوه اللي إنتِ فاكرة إنه مات من ست سنين.
سندت بإيدي على الحيطة.
أحمد كان عنده أخ أصغر اسمه ياسين.
مات في حادثة قبل جوازنا بسنة.
أنا شفت صوره.
روحت مع أحمد المقابر أكتر من مرة.
وعارفة قد إيه وفاته كانت موجعاه.
قلت:
—ياسين؟
قالت:
—آه.
—وإنتِ مين بالنسبة لياسين؟
صوتها اتهز.
—كنت مراته.
قلت:
—مستحيل. أحمد عمره ما قال إن أخوه كان متجوز.
قالت:
—لأنه محدش في عيلتهم كان عارف.
قعدت على الكرسي تاني.
الدنيا بقت أغرب من إنها تتفهم.
قلت:
—وليه ليلى بتقوله بابا؟
سلمى ردت بعد صمت:
—لأن أبوها مات قبل ما تتولد.
—وإيه دخل جوزي؟
قالت:
—أحمد هو اللي كان بيرعانا من يوم ما ياسين مات.
قلت:
—أربع سنين كاملين من غير ما أعرف؟
—أحمد كان خايف.
—من إيه؟
سلمى سكتت.
قلت:
—ردي.
قالت:
—منك.
الجملة استفزتني.
قلت:
—مني أنا؟
قالت:
—مش بالشكل اللي إنتِ فاهمه.
ثم أخدت نفس طويل وقالت:
—لما عرف إنك مش قادرة تخلفي وقتها وإنكم داخلين في رحلة علاج طويلة… قرر ما يقولكيش عن ليلى.
قلت بصدمة:
—ليه؟
قالت:
—كان خايف إنك تفتكري إن وجود طفلة في حياته معناه إنه عنده حياة تانية بعيد عنك.
قلت:
—وده فعلًا اللي عمله!
قالت:
—عارفة.
وقبل ما أكمل…
سمعت صوت باب أوضة أحمد بيتفتح.
بصيت ناحية الباب.
أحمد كان واقف هناك.
رغم إيده المجبسة وملامحه المجهدة، كان واقف يبصلي.
وبعدين بص للموبايل في إيدي.
وسأل بصوت خافت:
—إنتِ بتكلمي مين؟
ما رديتش.
بس قربت التليفون من ودني.
وسلمى قالت في اللحظة نفسها:
—مريم… فيه حاجة أحمد نفسه ما يعرفهاش.
اتسمرت.
أحمد قرب خطوة.
—مريم؟
قلت لسلمى:
—إيه الحاجة؟
سكتت ثانية.
وبعدين قالت:
—نتيجة التحليل اللي عملناه لليلى الأسبوع اللي فات.
أحمد اتغير وشه أول ما سمع اسم ليلى.
قال:
—إنتِ كلمتي سلمى؟
أنا رفعت إيدي له بمعنى “اسكت”.
وقلت في الموبايل:
—نتيجة إيه؟
سلمى بدأت تبكي.
وقالت:
—ليلى مش بنت ياسين.
بصيت لأحمد.
هو نفسه وقف مكانه.
واضح إنه سمع الجملة.
قلت:
—أمال بنت مين؟
التحليل بيقول إن أبوها الحقيقي…
هو أحمد.
يتبع… _ حكايات أسما السيد




