
نزلت دمعة حارة على خدي، لكنها لم تكن دمعة ضعف… كانت دمعة الحقيقة التي انجلت تمامًا.
كل قطعة في المتالمة اكتملت الآن.
-
حكايات رشا خالد 2منذ 7 ساعات
-
حكايات رشا خالد 1منذ 7 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 2منذ 9 ساعات
-
حكايات زهره الربيع 1منذ 9 ساعات
قوانين البيت… خصم المصروف… المعاملة ببرود… الادعاء بـ “العدالة والمبادئ”… كل هذا كان مسرحية هزلية حقيرة لإبقائي تحت سيطرته، ولإرهابي حتى لا أطالب بشيء أو أكتشف أنني المالك الحقيقي والأصلي لثروته التي بني عليها كبرياءه!
مسحتُ الدمعة بثبات حاسم، وبصيت لسلمى وقلت:
— سلمى… أنتِ متأكدة إن الورق ده حقيقي ومسجل في الشهر العقاري؟
سلمى أخرجت من الجيب الداخلي للملف ورقة رسمية عليها ختم النسر المذهب:
— دي الشهادة الرسمية للوصية المؤرخة، واستخرجتها الصبح بنفسي بصفتي وريثة من الدرجة الأولى من دفتر خانة الشهر العقاري. الورق حقيقي 100% يا مريم. وأحمد دلوقتي مزنوق في أخر مرحلة؛ المحلات في المبنى رفعت عليه قضايا عشان بيحاول يطردها أو يجدد العقود بأسماء وهمية، ولو أنتِ دخلتِ القضية دي بصفتك المالك الشرعي لنصف المبنى والمستفيدة الأولى من الوصية… أنتِ مش بس هتاخدي المبنى، أنتِ هتحاسبيه على كل أرجاء الإيجارات اللي أكلها طوال السنين اللي فاتت!
في هذه اللحظة، رن هاتف السنتر الداخلي.
أمسكتُ السماعة، وجاءني صوت الموظفة في الاستقبال متوترًا:
— مدام مريم… فيه ست كبيرة بره ومعاها راجل شكله متبهدل جدًا، ومصرين يدخلوا لسيادتك. الست بتقول إن اسمها “نوال” والراجل بيقول إنه “أحمد”… ورافضين يمشوا وبيعيطوا في الصالة قدام الطلاب!
نظرتُ إلى سلمى، وابتسمت ابتسامة باردة تحمل كل معاني التحدي والانتصار المرتقب.
قلت للموظفة في السماعة:
— خليهم يدخلوا يا سمر. أدخليهم فورًا.
بعد دقيقتين… فتح باب المكتب.
دخلت نوال… لكن لم تكن نوال التي أعرفها.
كانت تسير ببطء شديد، متكئة على ذراع ابنها أحمد. ثيابها كانت بسيطة وقديمة، ووجهها شاحب تجعدت فيه كل علامات القسوة القديمة ليحل محلها الانكسار والتوسل.
أما أحمد… فكان شكله يرثى له. قميصه مجعد، شعره غير مرتب، وعيناه ممتلئتان بالخوف والرعب وهو ينظر إلى المكتب الفاخر وإلى أخته سلمى الجالسة بجواري.
أول ما أحمد شاف الملف الأسود المفتوح قدامي على الترابيزة… وشف الأوراق الصفراء وختم النسر… وشه اتغير 180 درجة.
رجليه خانته، واضطر يمسك في حرف الباب عشان ما يقعش.
قال أحمد بصوت خافض يرتجف، وكأنه يرى كابوسًا مرعبًا:
— مريم… الأوراق دي… أنتِ… أنتِ جبتِ الأوراق دي منين؟!
قمتُ من على كرسيي ببطء شديد.
مشيت بثبات حتى وقفت أمامهما تمامًا.
نوال نظرت إليّ ودموعها تسيل على خديها المترهلين، وقالت بنبرة خاضعة:
— مريم يا بنتي… سامحينا… إحنا مطرودين من الشقة الإيجار النهارة لأن أحمد معندوش يدفع الإيجار… والمحلات في المبنى حجزت على حسابه في البنك… إحنا ملناش غير ربنا وثم أنتِ يا بنتي… أستحلفك بدمك اللي أنقذ بنتي سلمى إنك تتنازلي عن القضية وتخلي أحمد يجدد العقود عشان نلاقي لقمة نأكلها!
بصيت لنوال بهدوء، ثم التفتُّ إلى أحمد الذي كان ينظر للأرض بعجز كامل.
قلت بصوت صارم، يسمعه كل من في المكتب:
— “البند السابع من قوانين البيت بيقول إيه يا أحمد؟” نسيت؟
العدل لازم يطبق على الكل! والقواعد مينفعش تتكسر، صح؟!
أحمد رفع رأسه وهو يبكي بكسرة، وصوته يخرج مخنوقًا:
— مريم… أرجوكي… أنا اعترفت إني ظلمتك وشيلت ذنبك… بس بلاش دمار شامل! المبنى ده هو الأمل الأخير ليا ولأمي عشان نعيش! لو أخدتِ المبنى أو بلّغتِ عن الإيجارات القديمة… أنا هدخل السجن بجد بتهمة خيانة الأمانة والتزوير في عقود التأسيس!
قربت منه خطوة واحدة، وصوتي أصلب من الحديد:
— أنت ما ظلمتنيش بس يا أحمد… أنت خدعتني من أول يوم! أنت اتجوزتني عشان فصيلة دمي النادرة! اتجوزتني عشان الوصية اللي سابها أبوك! عيشتني 3 سنين في سجن نفساني، وبتقنعني إني ولا حاجة ومن غيرك هموت من الجوع، وأنت قاعد بتاكل ملايين الإيجارات اللي هي حقي الشامل والقانوني بموجب الوصية!
نوال صرخت بذهول ونظرت لأحمد:
— إيه؟! أنت كنت عارف بالوصية يا أحمد؟! أنت عملت كل ده في البنت وهي ليها نصف المبنى؟!
أحمد لم يستطع الرد. أطرق رأسه في الأرض، ودموعه تسقط على الحذاء القديم الذي يرتديه.
أخرجتُ من محفظتي كارت المحامي الخاص بي، وحطّيته في جيب قميص أحمد المجعد:
— المحامي بتاعي هيستناك بكرة الساعة 9 الصبح في الشهر العقاري ومحكمة الأحوال المالية.
قدامك 24 ساعة يا أحمد…
إما تسلمني إدارة مبنى وسط البلد بالكامل، مع عقد تنازل نهائي عن حصتك، وتدفع لي التعويض عن الإيجارات اللي اختلستها طوال السنين اللي فاتت بجدولة زمنية…
وإما البلاغ للنيابة العامة بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الوصية المشروطة هينزل بكرة الساعة 10 الصبح!
نوال ألقَت بنفسها عند قدمي تبكي وتترجى:
— يا بنتي يرضيكي أحمد يدخل السجن؟! يرضيكي أم تموت بكسرتها على ابنها؟!
رفعتُ نوال ببطء من على الأرض، ونظرت في عينيها بثبات ونضج أخير:
— يا طنط نوال… أنا اتبرعت بدمي لبنتك مرتين، وأنقذت حياتها من الموت المحقق بدون ما أستنى منكم كلمة شكر. الإنسانية والرحمة أنا قدمتها بالكامل… لكن الحقوق والكرامة ملهاش معلش. أحمد هو اللي اختار طريق “القوانين الصارمة”، ودلوقتي القوانين دي بتمسكه من رقابته.
أشرتُ لهما بيدي نحو الباب:


