
الكلمات نزلت عليا زي الجمر. مسكت نفسي بالعافية، ونشفت دموعي قبل ما تنزل، وقلت له بثبات:
— اكتب كل تفصيلة يا دكتور في التقرير الطبي الشامل.. ما تسيبش كدمة ولا أثر إلا ولما تثبته، التقرير ده هو سلاحنا في النيابة.
بالفعل، أخدنا التقرير الطبي المبدئي الموثق برقم رسمي، واتجهنا فوراً على قسم الشرطة. هناك، كانت الليلة طويلة جداً.
أول ما دخلنا النيابة الملحقة بالقسم، لقيت جوز بنتي قاعد في الكلبشات، وشه شاحب وذليل، وقاعد جنبه محامي شكله من الجماعة بتوع “تخليص الأمور”. أمه وأخوه كانوا واقفين في الممر، وأول ما شافوني، قربت أمه بسرعة وتحولت نبرتها تماماً من العياط والتلطيم في الشقة، للترجي والتوسل.
مسكت في طرف عبايتي وقالت وهي بتعيط:
— حقك عليا يا حاجّة! الجزمة على رقبتي ورقبة ابنِي! أبوس إيدك بلاش تخربي بيتهم، السجن هيهد مستقبله ومستقبل بنتك! اعتبريه ابنك وغلط، وكل اللي تطلبوه هنعمله.. نكتب لها الشقة باسمها، نكتب لها مؤخر، بس تنازلي عن المحضر!
بصيت لها بمنتهى الجفاء وقالت لها وأنا بشيل عبايتي من إيدها:
— المستقبل اللي خايفة عليه ده كان بيموت بنتي بالبطيء كل يوم. الشقة والفلوس ما تعوضش نقطة دم واحدة نزلت منها، ولا تعوض كسرة نفسها قدامكم. القانون هو اللي يتكلم بيننا دلوقتي.
دخلنا لشوكيل النيابة. التحقيق استمر لساعات. بنتي اتكلمت بكل شجاعة، حكت عن السجن النفسي، عن ضربه ليها، عن منعها من الأكل أوقات، وعن تهديده الدائم ليها بأنه هيرميها في الشارع ويفضحها لو اشتكت. والتقرير الطبي كان القول الفصل اللي قفل أي باب للشك أو للإنكار من جانب محاميه.
أما هو، فلما وقف قدام وكيل النيابة، حاول يمثل ويقول إنها بتتخيل وإنها وقعت من على السلم، بس لما وكيل النيابة واجهه بتقرير الطب الشرعي وبأقوال أمه اللي ثبتت في النجدة لما قالت “ابني بيكلمها عشان تسمع الكلام”، المحامي بتاعه ما قدرش يفتح بق كلمة.
أمر وكيل النيابة بحبسه أربعة أيام على ذمة التحقيق مع مراعاة التجديد، وعرضه على الطب الشرعي لإثبات مسؤوليته، مع تحريات المباحث حول الواقعة.
لما خرجوه من الأوضة متكلبش عشان يترحل على الحجز، بصلي بعينين مليانة غل وخوف، وقال بصوت مكتوم:
— مش هسيبك يا حنين.. مش هخليكِ تذوقي الراحة بعد اللي عملتيه ده!
رديت عليه بثبات وأنا واخدة بنتي في :
— أعلى ما في خيلك اركبه.. اللي فات كان زمن الخوف، واللي جاي زمن الحساب.
رجعت ببنتي بيتي أخيرًا في الفجر. البيت اللي كبرت فيه وعاشت فيه معززة مكرمة. غيرت لها هدومها، وأكلتها بإيدي، وحطيتها في سريرها. نامت لأول مرة من شهور وهي مش خايفة من صوت خطوات على السلم أو باب بيتفتح بفجاءة.
بس وأنا قاعد جنبها في الضلمة، وبمسد على شعرها، رن موبايلي برقم غريب..
فتحت الخط، وجالي صوت رجالي غريب ونبرته جادة وباردة:
— يا حاجّة.. لو خايفة على سلامة بنتك وعلى البلاغات اللي عملتيها، بلاش تفتكري إن الموضوع خلص في القسم.. ابننا وراه رجالة، والورق اللي تحت إيدينا يودي بنتك في داهية قبل ما يودي ابننا السجن…




