روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 2

الجزء الثالث (قبل الأخير) مرت أربع وأربعون ساعة على وصولهم من شرم الشيخ، أربع وأربعون ساعة كانت كفيلة بإن كبرياء حماتي وجشع سيد يتحولوا لخوف هادئ وكسرة عين. في مكتب حسام المحامي في قلب وسط البلد، كان التكييف بيطلع صوت هادي، والورق المفروش على الترابيزة الخشبية العريضة كان هو السور اللي بنبتر بيه أي أمل ليهم في العودة لحياتنا. قعدت على الكرسي الجلد، وب جنبي شيماء اللي كانت شايلة بنتنا “مريم” الملفوفة في غطائها الأبيض النظيف، وشها كان لسه باهت من أثر التوليد، بس عينيها لأول مرة فيها لمعة أمان شفتاها من سنين.

 

على الناحية التانية من الترابيزة، كانت تقعد حماتي، الشال الكويتي اللي كانت لابساه في شرم الشيخ ملفوف دلوقتي حوالين كتافها بقلة حيلة، وجنبها دعاء بتبص في الأرض، وسيد جوزها واقف وراهم يفرك في إيديه وشفايفه مشققة من التوتر.

حسام فتح الملف، وطلع الإقرارات الرسمية، وبص لسيد وقال بنبرة حازمة:

— الأستاذ سيد، والمدام دعاء، والحاجة.. الورق اللي قدامكم ده إقرار رسمي باستلام وتسلم. الإقرار فيه بندين أساسيين: البند الأول هو إقرار بدين وسداد مالي بقيمة 80 ألف جنيه، بالإضافة لقيمة المجوهرات اللي اتسحبت من الصاغة بشركاء الفيزا، وسداد كافة مصاريف الإقامة والفندق اللي اتدفعوا من الحساب الشخصي للأستاذ محمد العوضي. البند الثاني هو تنازل وتعهد بعدم التعرض، مسبب وموثق في الشهر العقاري، يتضمن إقراركم الكامل بعدم وجود أي مستحقات أو أمانات طرف الأستاذ محمد أو زوجته مدام شيماء، وتعهد عدم الاقتراب من مسكن الزوجية بالمطرية أو مكان عمل الأستاذ محمد، وفي حال التعدي أو المخالفة، يتم تفعيل البلاغ المقدم في نيابة الأموال العامة ومحضر السرقة فوراً.

سيد بلع ريقه وصوته طلع بالعافية:

— يا أستاذ حسام.. إحنا جينا وبيعنا الغويشتين اللي دعاء كانت شرياهم ورجعنا الفلوس كاش، والمبلغ الباقي أنا كتبت بيه كمبيالة على نفسي وهسدده شهرياً من مرتبي.. بس بلاش موضوع النيابة والشركة ده، المدير عندي في الشركة هددني بالفصل لو المحضر ما اتسحبش!

بصيت لسيد ببرود، حطيت إيدي على الترابيزة وقربت منه:

— سيد.. أنت لما كنت بتشرب العصير في شرم الشيخ وتضحك ودعاء بتصورك وتقول “أزواج البنات غرباء”، ما فكرتش في شغلك؟ ما فكرتش إن “الغريب” ده هو اللي شاريلك اللقمة اللي في بؤك؟ الكمبيالة هتتمضي، والفلوس هتتدفع، والمحضر مش هيتسحب من النيابة إلا لما آخر جنيه يدخل حسابي، وإخطار الشركة هيفضل ساري كضمان لالتزامك بالتسديد.

حماتي رفعت رأسها بدموع مكسورة، وحاولت تستعطف شيماء:

— يا شيماء.. يا بنتي، هترضى بأمك تتجرجر في أقسام الشرطة في آخر عمرها؟ ده أنا أمك اللي ربيتك! علشان خاطر أختك ودعاء والولاد!

شيماء بصت لأمها بثبات، وبصوت هادي بس مليان وجع سنين، ردت:

— أنتِ نسيتي إني بنتك يا أمي لما سيبتيني حامل في التاسع من غير لقمة عيش ناكلاها.. نسيتي إني بنتك لما أخدتي كارت الفيزا وسيبتيلي أكل بارد وفينو حاف ورايحة تصرفي شقا جوزي في شرم الشيخ.. نسيتي إني بنتك لما قولتِ لي “جوزك غريب وبكره يرميكي”. محمد ما كانش غريب يا أمي.. محمد هو اللي جه من المطار على المستشفى، وهو اللي دفع الفلوس وقعد تحت رجلي، وهو اللي بيصونني وبيصون بنته. أنتِ اللي اخترتي تصيري غريبة عني.

الكلمات نزلوا على حماتي زي الصياط. دعاء اختنقت بالبكاء وقالت:

— إحنا آسفين يا شيماء.. والله ما كنا فاكرين إن الموضوع هيوصل لكده.. افتكرنا محمد ميسور مش هيحس بالمبلغ!

رديت بحسم:

— ميسور من شقايا وتعبي يا دعاء! من غربتي وبعدي عن بنتي وأهلي بالسنين! الفلوس دي ما نزلتش عليا من السماء، الفلوس دي مدفوع فيها صحتي ودمي، واللي يمد إيده على شقايا يبقا بيمد إيده على شرفي، وأنا شرفي ومجهودي ما بسيبهمش.

وقع الجميع على الأوراق والإقرارات والكمبيالات بحضور حسام وشاهدين. سيد مضى وهو بيترعش، وحماتي بصمت وهي بتبكي بقلة حيلة. أخدت المحافظ المالية والفلوس الكاش اللي رجعوها، وحطيتها في الشنطة.

— المحضر هيتأجل النظر فيه وممشى الإجراءات يتوقف مؤقتاً طالما الأقساط بتتدفع في مواعيدها يا سيد.. أي تأخير ليوم واحد، المحضر هينزل جلسة فورية. اتفضلوا.

خرجوا من المكتب مطأطئي الرؤوس، يسحبون أذيال الخيبة والفضيعة. أول ما الباب اتقفل وراهم، حسام بص لي وابتسم:

— الله ينور عليك يا محمد.. الأصول والقانون لما يجتمعوا مع بعض يكسروا أي عين جشعة. كده حقك وحق شيماء رجع بالقلم والمسطرة.

تنقست الصعداء، وقربت من شيماء ومسكت إيدها وبست رأس بنتي مريم.

— يلا بينا يا شيماء.. نرجع بيتنا.

في التاكسي وأنا راجع بيهم على شقتنا في المطرية، كان الشارع زاحم وصوت الناس طالع، بس جوايا كان فيه هدوء غريب. أول ما فتحت باب الشقة، كانت ريحة البيت لسه فيها أثر الغياب والبرودة، بس المرة دي كانت معايا شيماء ومريم.

شلت الشنط، ودخلت المطبخ اللي كنت صوّرته فاضي من كم يوم. فتحت التلاجة، وبدأت أملأها بيدي.. خضار طازة، لحمة، فاكهة، عصاير، وكل الخير اللي حرموهم منه في غيابي.

شيماء قعدت على السفرة وهي شايلة مريم، وبصت لي وقالت:

— محمد.. أنت هتسافر تاني الكويت؟

قعدت قدامها، ومسكت إيدها الاثنين:

— السفر انتهى يا شيماء. الفلوس اللي رجعت، مع القرشين اللي حوشتهم في الغربة، هفتح بيهم المحل اللي كنت بحلم بيه هنا في القاهرة. مش هسيبكم تاني، ومش هسمح لفرقة أو غربة تفتح باب للثعالب يدخلوا منه بيتي. من النهاردة أنا جنبك، وبنتي هتكبر قدام عيني.

في السهرة، والبيت مليان دفء وريحة الأكل الطازة مالية المكان، فتحت الفيس بوك. لقيت دعاء مسحت كل الصور والفيديوهات بتاعة شرم الشيخ، وحظرت حسابتها.

مسكت الموبايل، ونزلت صورة جديدة.. صورة إيدي وهي ماسكة إيد شيماء، وإيد مريم الصغيرة في وسطنا، وتحتها ترابيزة المطبخ مليانة من خير ربنا بشقايا وحلالي.

وكتبت تحت الصورة:

“البيوت ما تتبنيش بالفلوس بس.. البيوت بتتضم بالأصول والأمانة. واللي يفكر يسرق لقمة حلال اتعجن فيها دم ودموع مغترب، لازم يعرف إن الحق له أنياب، وإن الغريب الحقيقي هو اللي يخون أهله وياكل خزين بيته.

حفظ الله بيوتنا من كل طماع خائن.”

نمت ليلتها لأول مرة من سنين وأنا حاسس بالراحة. بس وأنا قاعد الصبح بشرب القهوة في البلكونة وبص على الشارع، رن تليفوني برقم غريب.. رقم غير متوقع بالمرة، من حد كنت فاكر إن صفحتو اتقتلت للابد، وصوت على الناحية التانية قال بنبرة متوترة:

— محمد العوضي؟ أنا جوز اختك دعاء.. فيه مصيبة جديدة حصلت بسبب الفلوس اللي سيد استلفها عشان يكمل مصاريف الفندق، والناس اللي استلف منها طالعين على بيتك في المطرية دلوقتي فاكرين إن الفلوس معاك!

قفلت الموبايل وأنا ببتسم ابتسامة هادية.. لأن الحساب بجد، لسه فيه فصل أخير ما اتقفلش.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى