روايات وقصص

حكايات رومانى مكرم 2

الجزء الرابع والأخير

وقفت في البلكونة والموبايل في إيدي، وصوت سيد جوز دعاء لسه بيرن في وداني وهو بيترعش من الخوف. القهوة اللي في إيدي كانت لسه سخنة، بس دماغي كانت أبرد من الثلج. بصيت لشيماء وهي جوه بتلف مريم في غطائها، وقلت لنفسي: “البيت ده اتطهر خلاص، ومش هسمح لزبالة شوارع تعتب العتبة دي تاني”.

قفلت الباب على شيماء وبنتي، وقلت لها بصوت مطمن:

— شيماء، اقفلي الباب بالمفتاح من جوه وما تفتحيش لأي حد مهما كان، أنا نازل أخلص مشوار صغير وراجع فوراً.

نزلت الشارع، وكلمت “حسام” المحامي في التليفون وأنا نازل على السلم:

— حسام، سيد طالع عليه ناس بلطجية بياخدوا منه فلوس كان مستلفها بربا عشان يكمل مصيف شرم الشيخ، ودلّهم على بيتي في المطرية فاكرين إن معايا الفلوس الكاش اللي خدتها منه إمبارح.

حسام انفجر في التليفون:

— العيال دول يتجننوا! أنت فين يا محمد؟

— أنا نازل أقف تحت العمارة. كلم رئيس المباحث في القسم فوراً، المحضر الشامل اللي كتبناه إمبارح جاهز، والعيال دول جايين في ملعبي.

وقفت تحت بوابة العمارة في المطرية، مالي هدومي ومستني. بعد عشر دقايق، وقفت عربية ميكروباص نزل منها ثلاثة رجالة، أشكالهم ترد الروح للوراء، ووراهم سيد طالع ماشيا بيكر في رجليه ووشه متخرشم ومضروب.

قرب أكبرهم مني، راجل جثة ولابس جلابية وشايل في إيده خيزرانة:

— أنت محمد العوضي؟

بصيت له بثبات من غير ما أرمش:

— أيوة أنا محمد العوضي.. خير؟

— سيد حبيبة بيقول إن الفلوس اللي أخدها مننا ربح ومصاريف مصيف، أنت أخدتها منه كاش إمبارح في مكتب المحامي. إحنا لينا عند الجدع ده 60 ألف جنيه، وترجع لنا دلوقتي حالا وإلا مش هنسيبك تطلع شقتك!

سيد استخبى ورا الراجل وبكى بصوت واطي:

— يا محمد الحقني.. دول ماسكيني من الصبح وهياخدوا معفش بيتي!

ضحكت بكسرة عين، وبصيت للراجل صاحب الجلابية وقلت له بكل برود:

— يا معلم.. سيد ده راجل نصاب، استغل كارت فيزتي وأنا في الكويت وسرق شقايا وصرفه في الفنادق والجمبري. والفلوس اللي استلمتها منه إمبارح دي حقي بقوة القانون وتحت عين نيابة الأموال العامة وموثقة في إقرار رسمي. أنت ليك عنده فلوس؟ خده معاك وركبوه الميكروباص واعملوا فيه اللي أنتم عايزينه.. بس لو خطوة واحدة اتخطت حدود عتبة العمارة دي، هتكون خطوتك الأخيرة.

الراجل اتفاجئ من ثباتي، وحس إن الهيبة اللي بيعملها على الغلابة ما أثرتش فيا. رفع الخيزرانة وقرب خطوة:

— أنت بتستقوى بإيه يا كابتن؟

في نفس اللحظة اللي قرب فيها، صفارات عربية البوكس رنت في الشارع، ونزلت منها قوة من قسم المطرية ومعاهم حسام المحامي ومعاهم أمين شرطة صرخ بصوت هز الشارع:

— اثبت مكانك أنت وهو!

الشرطة لمّت الثلاثة وسيد معاهم في أقل من دقيقة. حسام قرب من الملازم وقال له:

— يا فندم، المذكورين جايين يمارسوا أعمال بلطجة وابتزاز بناءً على معاملات غير قانونية (ربا) واستدراج المذكور سيد اللي مرفوع ضده بلاغ رسمي باستيلاء وتبديد أموال.

الراجل أبو جلابية وشه أصفر ونظر لسيد بغل:

— بقا جايبنا نتبلطج على راجل شاري شرطة ونيابة يا سيد؟ والله ما هنسيبك!

أمين الشرطة زقهم جوه البوكس، وبص لي الضابط وقال:

— حصل حاجة يا أستاذ محمد؟

رديت بحضارية:

— تمام يا باشا، ألف شكر لسرعة استجابتكم.

البوكس مشي وهو شايل سيد والبلطجية، وسيد يبص لي من شباك الميكروباص بدعاء وتوسل، بس المرة دي كان الباب اتقفل تماماً. الطماع لما يقع، بيقع في شر أعماله، وسيد حفر بئره بإيده لما ارتضى ياكل شقا غيره.

طلعت الشقة، فتحت لي شيماء الباب وهي بترتعش. أخدتها في حضني وقلت لها:

— خلاص يا شيماء.. الكابوس انتهى بجد المره دي. سيد والناس اللي استلف منهم في أيدي الشرطة، وحقنا رجع، وكل حد طمع فينا أخد جزاءه بالقانون.

بعد أسبوعين..

كان الدفء رجع للبيت كلياً. فتحت المحل الجديد في شارع تجاري كبير في القاهرة، “معرض العوضي لتجارة الأدوات المنزلية”، بشقايا وحلالي ورأس المالي اللي حافظت عليه من الغربة.

في يوم الافتتاح، كانت الشقة مليانة أكل طازة، وريحة البخور مالية المكان. شيماء كانت لابسة ثوب جديد، ومريم في حضنها بتضحك، وأنا واقف وسط صحابي وحسام المحامي بنقطع شريط الافتتاح.

حماتي كلمت شيماء من رقم غريب، تبكي وتستعطفها عشان تتدخل ونسحب المحضر بتاع سيد، لأن سيد اترمى في السجن بسبب ديونه، ودعاء أختها بعت عفش بيتها عشان تسدد الأقساط.

شيماء بصت لي، وقالت لأمها في التليفون بقلب جامد وصافي:

— يا أمي.. اللي بيزرع شوك بيجرح إيده. محمد ما ظلمش حد، محمد دافع عن بيته وعن أكل عيش بنته. أنتم اللي اخترتم طريق الطمع، وتحملوا نتيجة اختياركم. سلام يا أمي.

قفلت شيماء الخط، وبصت لي بابتسامة كلها رضا وأمان.

مسكت إيدها، وبصيت لبنتي مريم اللي كانت نايمة بسلام، وقلت لها:

— الغربة علمتني كيف أجمع الفلوس يا شيماء.. بس اللي حصل في البيت ده علميني كيف أحمي بيتي. “الغريب” مش اللي بييجي من السفر.. الغريب هو اللي يعيش معاك وياكل في طبقك ويتمنى زوال نعمتك.

انتهت القصة، والبيت المقفول بالأصول والأمانة ما يتهزش أبدًا أمام طمع الطامعين.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى