
المادة اللزجة اللي في العلبة بدأت تحرق جلدي كأنها مادة حمضية، لكن الرعب خلاني مش حاسس بأي جسدي. كل حواسي كانت متثبتة على العلامة الحمراء اللي في الخريطة وعلى الصوت اللي زاد حدة وجنون جوه البيت.
ريكس كان بينبح بصوت مكتوم وهو بيشد بنطلوني لورا، كأنه بيحاول يجرني بعيد عن العتبة وعن المرتبة اللي أصبحت بتتنفض على أرضية الحوش بشكل مرعب، كأن فيه جسم جواها وبيحاول يمزق القماش عشان يخرج.
-
حكايات اسما السيد 2منذ 4 ساعات
-
حكايات اسما السيد 1منذ 4 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 2منذ 4 ساعات
-
حماتي أقنعت جوزي 1منذ 4 ساعات
قررت أخد المخاطرة. مسكت العلبة بكل قوتي وضغطت على الخريطة في جيب جاكتي، وسحبت ريكس ودخلت الشقة تاني وسط الضلمة القاتلة. أول ما قدمي لمست أرضية الطرقة، باب الشقة اترزع ورايا بقوة مرعبة، وصوت القفل الاتوماتيكي اتسمع وهو بيتقفل لوحده.
الأجواء جوه البيت اتغيرت تماماً. الريحة أصبحت لا تطاق، ريحة عفن مع حريق، والنور المقطوع جعل الشقة عبارة عن كعب داير من الظلال المتحركة. الكشاف اللي في إيدي كان بيفصل ويرجع يشتغل، وكل ما يشتغل، ينوّر جزء من أثار الأقدام السوداء اللي كانت بتزداد عمق وكثافة على الخشب.
مشيت ببطء وفي إيدي ، متجه ناحية النوم… الناحية اللي كانت محطوطة فيها المرتبة لسنين طويلة، واللي الخريطة أشار ليها بعلامة (X).
أول ما وصلت لداخل ، من اللي شفته.
السجاد اللي كان تحت كان متزاح على جنب كأن إيد خفية سحبته، والسيراميك في النص كان مكسور ومفكوكة بلاطاته من مكانها. فيه فتحة مربعة صغيرة في الأرضية، نازل منها سلم خشبي قديم ومتهالك ينزل لغرفة تحت الأرض… سرداب مخفي تماماً مكنتش أعرف عنه أي حاجة طول السنين اللي سكنت فيها البيت ده!
من الفتحة دي، كانت طالعة برودة مش طبيعية، وصوت همس أطفال متداخل مع صوت خطوات ثقيلة. ريكس وقف عند حافة الفتحة، ونزل رأسه للأسفل وبدأ يئن بصوت حزين ومربك، مش صوت خوف، لكن صوت تعرف على المكان!
مسكت الكشاف ووجهت النور جوه الفتحة. السلم نازل لمسافة مش كبيرة، وتحت كان فيه مساحة واسعة زي قبور قديمة أو مخزن مهجور. على أول درجة من السلم الخشبي، كانت فيه لفة ثانية مشابها تماماً للفة اللي لقيتها جوه المرتبة، ومحطوط فوقها قفل حديدي قديم ومفتوح.
في اللحظة دي، حسيت بإيد باردة ولزجة بتلمس رقبتي من الخلف، وصوت بيوشوش في ودني مباشرة:
“رجّع اللي أخدته… أو انزل كمل مكانهم!”
البرودة اللي لمست رقبتي جمّدت في عروقي، وحسيت بنفس دافئ ورطب بيلهث ورا ودني مباشرة. جسمي اتصلب، ومكنتش قادر حتى ألتفت أو أصرخ. اللي في إيدي كانت بتترعش، والكشاف بدأ ينفي ويقيد بشكل هستيري لحد ما أنواره بدأت تضعف وتتحول للون أحمر خافت.
وفجأة، ريكس !
الكلب اندفع لورايا وعض بثبات في الظل اللي كان واقف ورايا بالظبط. اتسمعت صرخة مكتومة مكتومة ومش بشرية، صوت زي احتكاك حديد بحديد، والضغط اللي كان على رقبتي اختفى في لحظة. استغليت الفرصة، ولفت بجسمي وضغطت بضهري على الحيطة وأنا بنهج بصوت عالي.
الأوضة كانت بتتحول لكابوس… الظلال على الحيطان كانت بتتحرك وتستطيل كأنها كائنات حية بتحاول تخرج من السيراميك. بصيت على الفتحة اللي في الأرضية، ولقيت المادة اللزجة السوداء بدأت تفور وتطلع منها زي البوركان، وبتجري على الخشب ناحية رجلين السرير.
ريكس كان بيحارب شيء مش مرئي بالنسبة ليا، بس خطواته وزمجرته كانت مالية المكان. الكلب كان بينزف من جنبه، بس رغم كده كان بيمنع الكائن ده إنه يقرب مني أو يمنعني من الفتحة.
أدركت إن الحل الوحيد للنجاة موجود تحت… في السرداب.
سحبت ريكس من طوقه بكل قوتي وقلت له: “لتحت يا ريكس! انزل!”
نزلنا السلم الخشبي المتهالك بسرعة، وكل درجة كانت بتأن تحت أقدامنا وكأنها هتتكسر. أول ما رجلي لمست أرضية السرداب، الريحة العفنة خنقتني، والجو كان تقيل لدرجة إن التنفس بقى صعب جداً.
السرداب كان عبارة عن ممر طويل مبني من الحجر القديم، والجدران مغطاة بكتابات ورموز غريبة محفورة بآلة حادة، ومدهونة بنفس المادة السوداء اللزجة. في أخر الممر، كان فيه هيكل خشبي شبه المذبح، ومحطوط عليه هيكل عظمي صغير ملفوف بقماش أبيض متهالك، وحواليه عشرات من الصور القديمة لأشخاص مختلفين… كلهم صورهم وجههم ممسوح بالمقص بنفس طريقة الصور اللي لقيتها في العلبة!
وعلى المذبح ده، كان فيه دفتر ضخم مفتوح، وفي نص الصفحة المفتوحة كان فيه مكان فارغ على شكل العلبة المعدنية اللي في جيب جاكتي بالظبط.
في اللحظة دي، السلم الخشبي اللي نزلنا منه اتكسر واتحطم بصوت مرعب! المخرج الوحيد للفوق اتقفل، والمادة اللزجة بدأت تنزل من الفتحة زي الشلال وتملى السرداب ببطء.
من بين الظلام في أول الممر، بدأ يظهر شكل كامل للكائن… راجل طويل بشكل غير طبيعي، جسمه هزيل ومائل، ووشه عبارة عن تجويف أسود مفيش فيه أي ملامح غير عينين بتلمع بنور أصفر شاحب. كان بيمشي ببطء، وكل خطوة منه كانت بتعمل صوت تدبيب ثقيل يهز أرضية السرداب.
مد إيده الطويلة المكسوة بالمادة اللزجة ناحيتي، وبدأ يهمس بصوت ضخم هز جدران المكان:
“حط العلبة مكانها… وسيب الكلب… أو هتفضلوا هنا للأبد!”
بصيت للعلبة اللي في إيدي، وبعدها بصيت للمذبح وللكائن اللي يقرب… وعرفت إن القرار اللي هاخده دلوقتي هو اللي هيحدد هل هخرج من البيت ده حي، ولا هبقى مجرد صورة جديدة وشها ممسوح ومحطوطة على المذبح ده!
وقف الزمن في السرداب السفلي، وأصبحت كل ثانية تمر وكأنها دهر كامل. الهواء تحول إلى كتلة ثقيلة وخانقة من برودة الموت ورائحة التعفن الحارقة، بينما كانت المادة السوداء اللزجة تتسرب من الفتحة المكسورة فوقنا بغزارة، وتنتشر على أرضية الممر السفلية كحيوان زاحف يبحث عن طعيمته.
كان الكائن الطويل يتقدم ببطء مرعب. كل خطوة من أقدامه الهزيلة كانت تحدث صداً يجأر في أركان السرداب الحجري، وكأن المكان نفسه يئن تحت ثقله. وججهه الممسوح الخالي من الملامح—سوى من العينين الصفراوين اللتين تشعان بضوء شاحب وميت—كان يتطلع نحوي بتركيز يثقب الروح.
ريكس كان يئن عند قدمي، جسده ينفض من الخوف والجرح الذي كان ينزف في جنبه، لكنه رغم كل شيء رفض أن يتراجع. كان يقف بشجاعة أسطورية بيني وبين هذا المسخ، ينبح بنباح خافت ومتقطع من شدة الإرهاق، لكن عينيه كانتا تقولان لي كل شيء: “أنا معك… اتخذ القرار بسرعة!”
أخرجت العلبة المعدنية من جيب جاكيتي المبتل. كانت المادة اللزجة عليها تحرق جلد أصابعي، وكأنها جمرات نار مخفية تحت هذا السائل الأسود. تنقل نظري بين العلبة التي أحملها، وبين المذبح الخشبي في أقصى الممر حيث الهيكل العظمي الصغير والدفتر المفتوح، وبين الكائن الذي لم يبقَ بيننا وبينه سوى خطوات معدودة.
يد الكائن الممتدة نحوي كانت تهتز، وأصابعه الطويلة المدببة تشير إلى العلبة وإلى ريكس. الصوت الضخم العميق رجّ جدران المكان مرة أخرى، مشبعاً الجوارح:
“ضع العلبة مكانها… وسيب الكلب… أو هتفضلوا هنا للأبد!”
في تلك اللحظة بالذات، انقشعت الغشاوة عن عقلي وركبت الأحاجي الصورة كاملة. الساكن ال




