روايات وقصص

حكايات ليلى2

قديم لهذا البيت لم يكن مجرد شخص مريض أو مجنون يعاني من الهلوسة. لقد كان يمارس شيئاً مظلماً تحت أرضية هذا البيت، شيئاً تطلب تضحية ودفن أسرار لا ينبغي للبشر أن يطلعوا عليها. والمرتبة القديمة لم تكن مجرد حشو وسوست مكسورة؛ بل كانت السدادة التي تحبس هذا الشرير وتمنعه من الخروج إلى العالم الخارجي. ريكس لم يكن يمنعني من رميها لأنه مجنون، بل كان يعلم بالريحة والرمز، وكان يدرك بفرائسه الحيوانية أن تحريك المرتبة يعني كسر القفل وإيقاظ اللعنة المدفونة.

والأهم من ذلك كله… السبب في أن هذا المسخ يطالبني بـ “ترك الكلب” لم يكن عشوائياً. ريكس كان هو الحارس، والروح النقية الوحيدة التي تعوق سيطرة هذا Entity على المكان!

قلت لنفسي وأنا أنظر إلى ريكس: “لن أتركك… ولن أكون ضحيتك التالية.”

بكل ما أوتيت من قوة وإصرار، تجاهلت الكائن المتقدم ونشاط المادة السوداء اللزجة، واندفعت بأقصى سرعة لدي نحو المذبح في نهاية الممر!

زعق الكائن بصوت يمزق الآذان، صوت يبدو وكأنه صراخ آلاف الأرواح المعذبة في وقت واحد، واندفع نحوي بسرعة غير طبيعية، مقطعاً المسافة كأنه طيف ينساب عبر الهواء.

“ريكس! احمني!” صرخت بملء صوتي.

قفز ريكس بكل ما بقي لديه من قوة في الهواء، واعترض طريق المسخ مرة أخرى، مغرساً أسنانه في ذراعه الهزيلة اللزجة. المسخ أطلق صرخة ألم وغضب وضرب الكلب بقوة ألقته جانباً على حجارة الجدار، ليقع ريكس أرضاً وهو يئن بشدة، لكن تلك الثواني القليلة التي كسبها لي ريكس كانت كل ما أحتاجه!

وصلت إلى المذبح. كان الدفتر الضخم المفتوح يعرض التجويف المخصص للعلبة. العلبة المعدنية في يدي كانت تسخن وتكاد تحرق عظام يدي. لم أتردد. مسكت العلبة بكلتا يدي، وضغطت عليها بقوة داخل تجويف الدفتر المخصص لها.

في اللحظة التي دخلت فيها العلبة مكانها وسمعت صوت “تكة” الحجر وهو ينغلق عليها، حدث شيء هز أركان السرداب بأكمله.

توقفت المادة السوداء اللزجة عن الفوران فوراً. الظلال التي كانت تحوم على الجدران تجمعت كلها واختفت في الفتحات الحجرية. والكائن الطويل الواقف في منتصف الممر تتسمر في مكانه، وبدأ جسده يتشقق ويصدر منه ضوء أبيض ساطع من الداخل، وكأنه يحترق من الداخل إلى الخارج!

أطلق المسخ صرخة أخيرة، صرخة مدوية تحطمت معها بعض الحجارة من السقف، ثم تحول جسده بالكامل إلى رماد أسود تذرّاه الهواء القارص واختفى في لحظات، كأنه لم يكن له وجود قط!

حل سكون تام ومطلق على المكان. سكون ثقيل لم أسمع فيه سوى صوت أنفاسي المتلاحقة ونبضات قلبي التي كانت تضرب صدري كالمطرقة.

انخفضت الحرارة العالية، ورجعت البرودة إلى مستواها الطبيعي. الدفتر المفتوح على المذبح أُغلق لوحده ببطء، والرموز الحجرية المكتوبة على الجدران انطفأ نورها المريب وتحولت إلى مجرد نقوش قديمة باهتة.

ركضت فوراً نحو ريكس. كان ممدداً على الأرضية الحجرية، يتنفس ببطء وجرحه ما زال ينزف. رفعت رأسه على ركبتي وأنا أبكي بالدموع: “سامحني يا ريكس… سامحني يا صاحبي… أنت أنقذت حياتي.”

فتّح ريكس عينيه ببطء، ولعق يدي بلطف، وجسده بدأ يستعيد بعضاً من قوته، وكأن الزوال الإلهي للعنة أزال التعب والسم الذي كان يؤثر عليه.

بصيت حوالي عشان أبحث عن مخرج. السلم الخشبي كان مكسور تماماً، والفتحة فوقنا كانت عالية. لكن مع اختفاء اللعنة، لاحظت في جدار السرداب الخلفي باباً أثرياً صغيراً من الحديد المصدي، لم يكن ظاهراً من قبل بسبب الضباب والظلال.

حملت ريكس بين ذراعي بكل حرص، ودفعت الباب الحديدي بكتفي. فتح الباب بصعوبة وصوت احتكاك شديد، ليؤدي بنا إلى ممر صاعد ضيق ينتهي بباب خشبي قديم آخر. دفعت الباب، ولدهشتي الشديدة، وجدت نفسي أخرج من جانب سرداب خارجي قديم يقع خلف حديقة بيتي تماماً، تحت أشجار كثيفة لم أكن ألاحظ وجود قاعدة أثرية تحتها من قبل!

خرجت إلى الهواء الطلق. كانت الشمس قد بدأت تشرق بالتدريج، وتصبغ السماء باللون البرتقالي والذهبي. الهواء النقي دخل إلى رئتي وكأنه الحياة نفسها تنبثق من جديد.

وضعت ريكس على العشب الهادئ، وأسرعت إلى السيارة لأخذه إلى أقرب طبيب بيطري. لحسن الحظ، وبعد فحص دقيق وعلاج الجروح، أكد لي الطبيب أن ريكس سيكون بخير تماماً خلال أيام قليلة، وأن جسده القوي ساعده على تحمل الإصابة.

بعد أيام من تلك الليلة المرعبة، جئت بشركة مقاولات متخصصة، وأغلقت الفتحة الموجودة في غرفة النوم بالخرسانة المسلحة، ثم قمت برديم السرداب الخارجي بالكامل ودكه بالتراب والحجارة ليختفي من الوجود إلى الأبد.

أما المرتبة القديمة… فقد قمت بإحراقها بالكامل في مكان بعيد وآمن، حتى لا تبقى منها ذرة واحدة تحمل ذكرى ذلك السر الدفين.

الآن، وأنا أجلس في بيتي الشديد الهدوء، أباوع لريكس وهو نائم بسلام على  الجديد بجواري… أدرك تماماً كم كنا قريبين من الهاوية. المرتبة القديمة لم تكن مجرد قطعة أثاث متهالكة تتعب ضهري كل ليلة، بل كانت الحارس الصامت لسر مرعب كاد يبتلع حياتنا.

ولولا ذكاء ريكس، وشجاعته، وإصراره على منعني من إخراجها قبل أن أفهم… لما كنت هنا اليوم لأحكي لكم هذه القصة.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى