
مرت الساعات والأيام وأنا أتردد على ذلك الشارع كالمجدوب، أرقب المخبز من بعيد، أكتفي بمشاهدة الحركة التي كنت يوماً ما المحرك الأساسي لها. أصبحت أدرك معنى أن يكون المرء حياً وميتاً في آن واحد؛ النبض يعمل، لكن الروح دُفنت تحت أنقاض الغرور.
الجوع والعدم بدآ ينهكان جسدي. المبلغ المتبقي معي تلاشى تماماً في إيجار تلك الغرفة المتهالكة التي تسلل إليها الفقر من كل جانب. اضطررت للعمل في أعمال شاقة ومؤقتة؛ حمل أكياس الإسمنت، تنظيف المخازن، والعمل في مواقف السيارات.. كل ذلك فقط من أجل الحصول على ثمن وجبة واحدة تحميني من غائلة الجوع. كانت يداي اللتان اعتادتا نعم الملمس والراحة تشققان، وظهري الذي اعتاد الاسترخاء في الترف ينحني تحت أثقال الحجارة.
-
اتجوزت واحده مطلقه 1منذ ساعتين
-
١٨ سنه حكايات اسما السيد 3منذ 11 ساعة
-
١٨ سنه حكايات اسما السيد 1منذ 11 ساعة
-
حكايات اسما السيد 3منذ 12 ساعة
في أحد الأيام، وأنا أعمل في تفريغ بضاعة أمام أحد المتاجر الكبيرة، مرت سيارة شادية من أمامي ببطء شديد بسبب ازدحام الشارع. كانت تجلس في المقعد الخلفي، تبدو بكامل أناقتها وهيبتها، تتحدث في هاتفها وعلامات الهدوء والراحة ترتسم على وجهها. أردت أن أتواري خلف الصناديق خشية أن تراني بهذه الحالة المزرية، لكن عينيها التقت بعيني لدقيقة واحدة. لم ألقَ في نظرتها شتيمة ولا تشفياً، بل وجدت تلك النظرة ذاتها: نظرة الغريب الذي لا يعني لها شيئاً على الإطلاق، وكأنني مجرد هيكل عظمي يمر في الطريق.
تلك اللحظة كانت القشة التي قطعت ظهر كبريائي المتبقي. انهرت بالبكاء خلف المتجر بعد أن غادرت السيارة، وشعرت بأن الانتقام الأكبر ليس في العقاب المادي، بل في أن تصبح صفيراً على شمال حياة شخص كان يرينك الدنيا بأسرها.
في الليلة ذاتها، قررت أن أذهب إليها. لم أعد أطمع في الشقة، ولا في إدارة الأعمال، ولا في العربية، ولا حتى في عودة الحياة الزوجية. كنت فقط أريد أن أتحلل من الذنب الذي يطاردني كالكابوس، أردت أن أسمع منها كلمة مسامحة واحدة تريح هذا الصدر الذي يغلي بالندم.
تسللت إلى العمارة القديمة في ساعة متأخرة من الليل. الحارس الذي كان يحييني بـ “حامد بيه” وينحني لي احتراماً، وقف في وجهي عند الباب ومنعني من الدخول بصلابة وقال:
“يا حامد.. مدام شادية نبهت عليا، لو رجلك لمست العمارة هطلب لك النجدة. ارجع من مطرح ما جيت، أنت نسيت نفسك ولا إيه؟”
ترجيته بكل ما أوتيت من ذل:
“يا عم إبراهيم.. عشان خاطر ربنا، قولها بس حامد عايز يقولك كلمتين ويمشي.. مش عايز منها حاجة، والله العظيم ما عايز حاجة غير إنه يتأسف!”
رق قلب الرجل قليلاً لحالي المزرية وملابسي المتسخة، فصعد إليها. وقفت في ساحة العمارة أرتجف من البرد والخوف. بعد دقائق معدودة، نزل وهو يحمل في يده ظرفاً ورقياً كبيراً، ومد يده به إليّ وقال:
“مدام شادية قالتلي أديك الظرف ده، وقالتلك: ‘ده حقك القانوني والشرعي عشان متقولش أكلت عليك حاجة.. وده آخر كلام بيننا’.”
فتحت الظرف بيدين ترتعشان. كان يحتوي على وثيقة طلاق رسمية، ومبلغ مالي محترم يمثل مؤخر الصداق والمتعة المعينة قانوناً. لم تظلمني في القوة والمال حتى وهي تتخلى عني، أعطتني حقي بالقانون كي لا يبقى لها في رقبتي شيء، وكي لا تبقى لي في ذمتها علقة.
سقطت وثيقة الطلاق من يدي على الأرض. شعرت أن كل خيوط الأمل قد تقطعت نهائياً. أخذت المبلغ وخرجت أجر قدمي في شوارع المدينة المظلمة. الفلوس التي كنت أبحث عنها وأبيع من أجلها أمانتي باتت الآن بين يدي، لكنها لم تجلب لي سوى الشعور الخزي والعار.
مرت شهران آخران، وقررت أن أستغل ذلك المبلغ في إنشاء مشروع صغير بعيداً عن المنطقة؛ كشك صغير لبيع المستلزمات اليومية في حي شعبي أخر. بدأت أعمل فيه من الفجر حتى منتصف الليل، أحاول أن أعتاد على حياتي الجديدة، وأن أدفن ماضيّ تحت ركام العمل المتواصل.
لكن الأقدار أبت إلا أن تضعني في اختبار جديد.
في أواخر شهر ديسمبر، وبينما كنت أقف داخل كشكي الصغير أبيع للزبائن، لمحني والد سلمى! ذلك الرجل البسيط الذي كان يتردد على الفرن سابقاً. أقبل عليّ بعينين مليئتين بالدهشة والتأسف، وقال بصوت منخفض:
“حامد؟ أنت شغال هنا؟”
رددت بحرج وأنا أحاول تصنع اللامبالاة:
“الحمد لله يا حاج.. أهو أكل عيش. خير؟”
تنهد الرجل بأسى وقال:
“والله يا بني أنا زعلت على اللي حصل بينك وبين شادية هانم.. وزعلت أكتر لما عرفت اللي سلمى بنتي عملته معاك.”
سألته ببرود مستعار:
“سلمى؟ هي عاملة إيه؟ اتجوزت ولا لسه؟”
نظر إليّ الرجل بنظرة تحمل الكثير من المهانة والحزن، وقال:
“سلمى افتكرت إن شطارتها هتوصلها للسماء.. بعد ما سابتك، أتعرفت على شاب يوهمها إنه غني وعنده أملاك، وضغطت عليا عشان أوافق عليه. اتجوزته من شهرين بس يا حامد.. ويكتشف بعد الجواز إنه نصاب، وعليه ديون، وأخد ذهبها وفلوسها وهرب، وسابها محبوسة في شقة إيجار مش مدفوع إيجارها من شهور، وطلقت منه الأسبوع اللي فات ومكسورة ومش قادرة ترفع عينها في حد.”
سكت الرجل لحظة، ثم نظر في عيني بتوسل غير مباشر وقال:
“هي كل يوم بتقعد تعيط وتقول إنها اتعاقبت عشان ظلمتك وجت عليك وأنت في أزمتك.. لو تقدر يا حامد تسامحها..”
وقفت مذهولاً أستمع لكلمات الرجل. شريط الأحداث مر أمام عيني كالشريط السريع: شادية التي جردتني من كل شيء لتلقنني درساً في الرجولة والأمانة، سلمى التي تخنتني وتخلت عني في لحظة ضعفي للبحث عن المادة، والآن الأقدار تدور لتعيد سلمى مكسورة الخاطر، وتضعني أنا في موقف الاختيار مرة أخرى!
هل أسامح سلمى وأعود إليها بعد أن ذاقت من نفس الكأس التي سقتني منها؟ أم أن الندم الذي يعتصرني على خسارة شادية يمنعني من قبول أي شيء بني على خيانة العهد الأول؟
بقيت واقفاً خلف طاولة الكشك الخشبية، ينقبض قلبي مع كل كلمة ينطق بها والد سلمى. كان الرجل ينظر إليّ برجاء كأنه يرى فيّ طوق نجاة لابنته الكسيرة، بينما كانت أفكاري تتصارع في رأسي كأمواج تلاطم صخراً عتيداً.
سلمى التي تركني في أوج أزمتي، الفتاة التي قايست الحب بالمال والجاه، تقف الآن في الموقف ذاته، مكسورة ومجردة من كل أوهامها. أردت أن أصرخ في وجه والدها، أن أقول له إن العدالة إلهية وإن ما حدث لها هو الذنب نفسه الذي اقترفته في حقي وحق شادية. لكن النظر في وجه هذا الشيخ المسن المفجوع في ابنته أطفأ في صدري جمرة الشماتة.
قلت له بنبرة متزنة خالية من أي مشاعر:
“ربنا يعوضها خير يا حاج.. بس أنا ما بقاش عندي حاجة أديها لحد. أنا بقيت عايش اليوم ببيومه، واللي انكسر فيا ما أظنش إن فيه حد يقدر يصلحه. قول لسلمى إن حامد مسامحها، بس مسامحها عشان يريح قلبه هو، مش عشان يرجع يبدأ صفحة جديدة مع كتاب اتقفل وطارت أوراقه.”
انصرف الرجل يجر أذيال الخيبة، وبقيت أنا أصارع طيف السعادة الزائفة التي طاردتها يوماً. أدركت في تلك اللحظة أنني لم أعد ذلك الشاب الاستغلالي ولا ذاك الهائم خلف المظاهر. الفقر القديم لم يعد يخيفني، لكن الخيانة والندم كانا يعصران روحي كل ليلة.
مرت الأيام وساءت أحوالي الصحية. الإجهاد البدني والنفسي بدأ يلقي بثقله على جسدي؛ آلام حادة في المعدة وصداع لا يهدأ، وأرق يمنعني من النوم لأيام متواصلة. أصبحت أتنقل بين الكشك وغرفتي الضيقة كالمحكوم عليه بالأعمال الشاقة.
وفي ليلة من ليالي الشتاء شديدة البرودة، وبينما كنت أغلق أبواب الكشك استعداداً للعودة، هاجمتني أزمة صحية حادة سقطت على إثرها أرضاً على الرصيف المبتل. تجمع بعض المارة والزبائن حولي، ونقلوني على وجه السرعة إلى المستشفى الحكومي القريب.
في غرفة الطوارئ المتهالكة، وبينما كنت أصارع الألم والأطباء يلتفون حولي، طلب الممرض هاتفاً أو وسيلة اتصال بأحد أقاربي. لم يكن لدي في قائمة العناوين سوى رقم واحد حفظته عن ظهر قلب ولم أملك الشجاعة يوماً لاتصاله: رقم شادية.
استجمعت ما تبقى لي من قوة، وقلت للممرض بصوت متهدج:
“اتصل بالرقم ده.. قولها حامد بيموت في المستشفى.. مش عايز منها حاجة، بس قولها يجي منها العفو قبل ما أواجه ربنا.”
مرت ساعتان وأنا قابع في تلك الغرفة، تحت أضواء الفلورسنت الخافتة، بين الحياة والموت. كنت أغمض عيني وأتخيل أنها لن تأتي، وأن كبرياءها سيمنعها من رؤية الرجل الذي خذلها.
وفجأة، فتح باب الغرفة.
سمعت صوت خطوات متزنة تتقدم نحوي. فتحت عيني بصعوبة، لأجد شادية تقف عند طرف السرير! لم تكن ترتدي ثيابها الفاخرة، بل كانت ترتدي عباءة سوداء بسيطة، ووجهها يحمل علامات التعب والإرهاق، وفي عينيها نظرة لم أستطع تفسيرها.. نظرة تجمع بين الحزن والأسى والشفقة.
اقتربت مني بخطوات هادئة، وقفت بجانب السرير، ونظرت إلى وجهي الشاحب وأنابيب المغذي المعلقة في يدي.
حاولت أن أعتدل في جلستي، لكنها وضعت يدها الدافئة على كتفي برفق وقالت بصوت خفيض:
“ارتدِ يا حامد.. متتعبش نفسك.”
انسكبت الدموع من عيني دون إرادة، وغطيت وجهي بيدي وأنا أشهق بالبكاء كطفل صغير:
“سامحيني يا شادية.. أنا آسف.. أنا غدرت بيكي وبعت النعمة، والدنيا أدبتني وجابتني تحت رجليكي تاني. أنا مش عايز فلوس، ولا عايز شقة، ولا عايز حاجة من الدنيا.. أنا بس كنت خايف أموت وأنتِ زعلانة مني.”
جلست شادية على الكرسي المالي بجانب السرير، وظلت ساكتة لفترة طويلة، تنظر إلى السقف وتتنهد بعمق، ثم قالت بنبرة حنونة عاد بها الزمن سنتين إلى الخلف:
“أنا ما كرهتكش يا حامد.. أنا زعلت عليك. زعلت إنك استرخصت نفسك، وافتكرت إن القرشين والعربية هما اللي بيعملوا للراجل قيمة. أنا لما جردتك من كل حاجة، ما كنتش بنتقم منك، أنا كنت برجعك للواقع عشان تفوق قبل ما تضيع تماماً.”
سألتها بصوت مرتجف:
“يعني.. أنتِ مش غاضبة عليا؟”
ردت وهي تنظر في عيني بثبات:
“أنا سامحتك لله.. والمسامحة دي حقي وحقك. بس المسامحة حاجة، والرجوع حاجة تانية خالص يا حامد. الجرح لما بيلتئم بيسيب علامة، والعلامة دي بتفكرنا دايماً بالوجع.”
أخرجت شادية من حقيبتها ملفاً أوراقياً صغيراً، ووضعته على الطاولة المجاورة للسرير، وقالت:
“ده عقد شقة صغيرة ومحل بضاعة في منطقة ثانية بعيدة عن هنا.. باسمك. مش عشان ترجعلي، ولا عشان دي صدقة.. ده عشان الأيام اللي عشتها معايا في بيت واحد وأنت صاين البيت، وعشان تبدأ بيهم حياتك صح المرة دي، بعيد عني وعن كل حاجة تفكرك بالماضي.”
نظرت إلى الورق بصدمة وقلت:
“أنا ما أستاهلش ده منك يا شادية.. أنتِ بتعملي معايا كده ليه بعد كل اللي عملته؟”
قامت من مجلسها، وعدلت عباءتها، وقالت وهي تنظر إليّ بابتسامة باهتة مليئة بالحكمة:
“بعمل كده عشان أنا شادية.. وعشان أثبتلك إن الكبير بيضل كبير حتى وهو بيفارق. اتعالج، وقف على رجلك، وابدأ حياتك من جديد من غير ما تبص وراك.”
استدارت ومشت نحو الباب بخطوات هادئة. وقفت عند العتبة، التفتت إليّ وقالت:
“وداعاً يا حامد.. ربنا يهديك ويصلح حالك.”
خرجت شادية وأغلقت الباب خلفها، ليبقى صوت غلق الباب المرة هذه خالياً من القسوة، بل كان بمثابة إعلان لنهاية فصل كامل من حياتي، وبداية طريق جديد لا أعلم أين سيأخذني.
بقيت مستلقياً على السرير، أنظر إلى العقد الموضوع أمامي وإلى الباب المغلق. خِبرات السنين، ووجع الخيانة، والندم، وحكمة شادية.. كل ذلك كان يدور في عقلي. أصبحت أمام افترق طرق جديد: هل أقبل هذا الفضل الأخير وأبدأ من جديد رغماً عن المرارة، أم أن أشباح الماضي ستلاحقني وتمنعني من بناء ما تبدّد؟
مرت الأيام في المستشفى بطيئة وثقيلة، لكنها كانت كفيلة بتطهير عقلي من كل أوهام الماضي. تعافى جسدي تدريجياً، وأول ما فعلته بعد خروجي هو الذهاب إلى مكان الشقة والمحل اللذين وهبتهما لي شادية. لم يكونا بقصر ولا بعمارات، بل شقة بسيطة ومحل صغير لبيع المواد الغذائية في حي هادئ على أطراف المدينة.
نظرت إلى المفاتيح في يدي، ولم أشعر هذه المرة بالغرور ولا بالنشوة، بل شعرت بأمانة ثقيلة تُوضع على كاهلي. كانت هذه فرصة أخيرة منحها لي القدر، ليس لأكون ثرياً، بل لأكون “رجلاً” حقيقياً يعتمد على عرق جبينه ويكفر عن أخطائه.
استلمت المحل وبدأت العمل فيه بكل جوارحي. كنت أستيقظ مع أذان الفجر، أفتح الأبواب، أفرغ الصناديق بنفسي، وأتعامل مع الزبائن بأدب وتواضع جم. لم أستعن بأي عامل، أردت أن أشعر بقيمة كل جنيه أدخله، وأن يذوب كبريائي القديم تحت وطأة التعب الشريف.
ومع مرور الأشهر، بدأ المحل يزدهر بفضل الله ثم بفضل إخلاصي في العمل. أعدت ترتيب حياتي؛ بعت الكشك القديم، وسددت كل الديون الصغيرة التي كانت عليّ، وأصبحت أمتلك دخلاً حلالاً يكفيني ويزيد، وحياة هادئة لا يطاردني فيها خوف ولا طمع.
في أحد أيام الخريف، وبينما كنت أقف أفرز بعض البضائع، جاءني رجل مسن من أهل الحي، يطلب مني أن أساعده في حمل بعض الأغراض لبيته المالي القريب. ذهبت معه برضا خاطر، وهناك أصر على استضافتي لكوب من الشاي. أثناء جلوسي، خرجت ابنته لتقدم الشاي؛ كانت فتاة بسيطة، متدينة، اسمها “رحمة”، تعمل معلمة في إحدى المدارس الابتدائية. لم تكن تحمل جمال سلمى الصارخ، ولا هيبة شادية الطاغية، لكن كان في وجهها سكينة ورقة أطفأت كل النيران التي كانت تغلي في صدري.
مع الوقت، وبعد أن تأكدت أنني تطهرت تماماً من ماضيّ وأصبحت إنساناً جديداً، تقدمت لخطبتها من والدها. حكيت للرجل كل شيء عن ماضيّ بمنتهى الصدق والأمانة؛ حكيت له كيف كنت، وكيف أخطأت، وكيف أعدت بناء نفسي من الصفر. نظر إليّ الشيخ الحكيم وقال: “يا بني، التائب من الذنب كمن لا ذنب له.. وأنا شايف قدامي راجل عصامي يصون بنتي.”
تزوجت من رحمة، وعشت معها حياة بسيطة ملؤها القناعة والود. لم أطلب منها شيئاً سوى أن نبني بيتنا على الصدق والمودة، ولم تطلب هي مني سوى الأمان والستر. وبعد عام واحد، رزقنا الله بطفلة صغيرة أسميتها “أمل”، لتكون بداية جديدة حقيقية لحياة خلقت من رحم الندم.
في يوم ميلاد طفلتي، أخذت ورقة وقلم، وكتبت رسالة قصيرة لم أضع عليها اسم المرسل، وبعثتها مع أحد المحضرين إلى عنوان فرن شادية. كتب فيها:
“إلى من علمّتني أن الرجولة كلمة، وأن الكبرياء لا يُشترى بالمال.. أبشركِ أن زرعكِ الأخير قد أثمر، وأن حامد أصبح اليوم رجلاً بحق، يرعى بيتاً وزوجة وطفلة من عرق جبينه. شكراً لأنكِ قسوتِ عليّ لتنقذيني من نفسي، وشكراً لأنكِ عفوتِ لتمنحيني فرصة للحيـاة. لن أنساكِ من دعائي ما حييت.”
جلسـت في مساء ذلك اليوم في صالة بيتي الصغير، أحمل طفلتي بين يدي وأستمع لضحكات زوجتي في المطبخ. نظرت من النافذة إلى السماء، واستشعرت حكمة القدر في كل خطوة مشيتها.
لقد خسرت المال والجاه والغرور، لكنني كسبت نفسي، وكسبت القناعة، وعرفت أن السعادة الحقيقية ليست في أن تملك كل شيء، بل في أن تقنع بما لديك، وأن تصون عهدك، وتعيش عزيزاً بعرق جبينك.. ورفعت المطبوعات و طويت الصفحة الأخيرة من كتاب الماضي إلى الأبد.






