
وصلت تحت عمارتنا وأنا جسمي كله بيترعش من كثرة الضغط، بس جوايا ثبات غريب. أول ما بابا نزل وركبت معاه عربية الشارع، بص لوشي المحمر وشنطتي اللي ماسكاها بقوة وعينيا المليانة دموع، وقال بقلق شديد:
“في إيه يا ندى؟ إيه اللي حصل يا بنتي؟ حد ضايقك هناك؟”
مسحت دموعي بسرعة وقلتله بنبرة حاسمة:
“بابا، أنا اتداس على كرامتي النهاردة في بيت أحمد. عزيمة الفطار دي كانت فخ علشان يوروني مقامي. أمه وقفتني اغسل المواعين قدام أخته اللي قاعدة تلعب في الموبايل، ولما اعترضت وقلت إني ضيفة، أحمد قال قدامهم: ‘ولا كمان هنغسل وراكي؟’.”
بابا وشه اتغير 180 درجة، عينيه احمرت وقبض على دركسيون العربية لدرجة إن عروق إيده برزت. سكت ثواني كان الصوت فيها مسموع من كثر الهدوء، وبعدين قال بصوت واطئ ومرعب من شدة الغضب:
“أحمد قالك كده؟ وأمه تقولك اغسلي المواعين وأنتي لسه على البر وداخلة بيتها بكرامتك؟”
قلتله وأنا بطلع الشبكة من الشنطة:
“أيوه يا بابا.. وأنا ردت عليهم وما سكتش، وسبت البيت ومشيت. أنا مش هكمل مع البني آدم ده يوم واحد كمان، الشبكة أهي، مش عايزة أي حاجة تفكرني بيه.”
بابا بص للشبكة، وبعدين بصلي وقال بكل حنية الأب وسنده:
“والله يا بنتي لو كان جابلك حتة من السماء، كرامتك عندي بالدنيا كلها. اللي ما يشيلكيش في عينيه وهو بيطلب إيدك، بكرة هيحدفك بالحجارة وأنتي جوة بيته. انزلي يا ندى اطلعي مع أمك فوق، وأنا لي تصرف ثاني.”
طلعت الشقة، وأول ما ماما شافتني وعرفت اللي حصل، الشقة تحولت لمناحة من الغضب. ماما كانت بتدعي عليهم وتبكي على كسرة خاطري في يوم مفروض إنه فرحة. في الوقت ده، الموبايل في إيدي ما بطلش يرن.. أحمد كان بيتصل ورا بعضه، وبعده أخته، وبعدهم أمه.
ما رديتش على ولا مكالمة. حطيت الموبايل صامت وسيبته على السرير.
بعد حوالي ساعة، أذن العشاء وساد الهدوء، وفجأة جرس الباب رن بفتك وقوة كأن حد بيحاول يكسر الباب. ماما اتخضت، بس بابا كان قاعد مستني في الصالة بكل هدوء ووقار. قام فتح الباب، ولقينا أحمد وباباه وعمه واقفين بوشوش مشدودة.
أحمد زق الباب ودخل بقلة أدب وهو بيصعّد نظره في الصالة وبيقول:
“أنا عايز أفهم إيه الهبل اللي بنتك عملته ده يا عمي! إزاي تسيب البيت وتخرج بالطريقة دي وتسيء لأمي وأختي؟ هي فاكرة نفسها مين؟”
بابا وقف قصاده بمنتهى الثبات، ومسكه من ياقة قميصه بصرامة خلت أحمد يتجمد مكانه، وقال بصوت هز حيطان الشقة:
“وطي صوتك يا ولد! أنت داخل بيت راجل، وما عاش ولا كان اللي يرفع صوته في بيتي على بنتي أو عليا! اتعلم الأصول الأول قبل ما تيجي تتكلم في المجالس.”
أبو أحمد اتدخل بسرعة وقال برتباك:
“صلوا على النبي يا جماعة.. اهدى يا أبو ندى، الموضوع بسيط ومفيش داعي للتكبير ده، الشغلانة كلها كلمة بين حريم في المطبخ!”
بابا ساب قميص أحمد وبص لأبوه بنظرة احتقار وقال:
“كلمة بين حريم؟ لما ابنك يقول لبنتي قدام أهله ‘مش هنغسل وراكي’، دي مش كلمة حريم، دي قلة أصل وقلة رجولة! أنا مربي بنتي مهندسة ومحترمة، ما طلعتهاش من بيتي علشان تروح تشتغل خدامة عندكم ولا يتقال لها الكلمة دي!”
أحمد حاول يدافع عن نفسه وقال بغرور:
“يا عمي دي كانت عزومة عائلية، وأمي كانت بتختبرها وتشوفها هتتحمل بيت عيلتنا ولا لأ! وبعدين هي اللي أسلوبها كان زبالة وردت على أمي بكلام ما يتقالش!”
في اللحظة دي، أنا خرجت من الأوضة بكل ثبات، وراميت علبة الشبكة تحت رجلين أحمد على الأرض.
بصيت في عينيه وقلتله بصوت حاد يرن في الصالة:
“اختبار؟ أنتم فاكرين النفوس المحترمة بتتشرى وتتباع بالامتحانات المريضة دي؟ اختبارك ده نجحت فيه أنا، لما عرفت حقيقتك وحقيقة أهلك قبل ما أتدبس معاك في حيطة واحدة. الشبكة اهي تحت رجلك، خدها ومعاها كل حاجة دخلت بيها بيتنا.”
أحمد بص للشبكة بذهول وقال:
“أنتي بتفسخي الخطوبة عشان طبقين؟ أنتي جبارة كده إزاي؟”
بابا مسك أحمد من كتفه ووجهه ناحية باب الشقة وقال بصلابة:
“الطبقين دول كشفوا معدنك الخسيس يا بني.. خد شبكتك وشيل ابنك يا أبو أحمد واخرجوا برة بيتي، وما أشوفش وش حد فيكم هنا ثاني.. الباب يتقفل وراكم للأبد.”




