
وقفت ورا الباب المقفول وأنا بجيب نفسي بالعافية، صدري كان بيترفع وينزل وسناني بتخبط في بعضها من الغل والدموع اللي تحجرت في عيني. سامح جوزي كان واقف ورايا زي الصنم، باصص للبيت كأنه بيشوفه لأول مرة، مذهول ومش قادر يستوعب إن أخته، الوحيدة اللي كان بياخدها في حبه ومستأمنها على بيته، كانت بتبدّل أمننا وبترمينا في النار عشان تحمي نفسها وجوزها.
نور بنتي كانت واقفة عند باب أوضتها مرعوبة، دموعها نازلة على خدودها الصغيرين ومش فاهمة حاجة غير إن الصراخ كان مالك الشقة وأنعكس على وشوشنا. جربت ألم نفسي، مشيت ناحيتها ونزلت على ركبتي وأنا بضمها لصدري وبهمس في ودنها بكلام ملهوش معنى عشان أهديها، بس جسمها كله كان بيترعش.
وفجأة.. وقبل ما تعدي عشر دقايق على رمي هبة بره الباب، السكون اللي كان مغرق العمارة اتكسر بصوت خبط مرعب على باب شقتنا!
مش خبط عادي.. ده كان رزق بالحديد ورجلين بتضرب في الباب بقوة كانت هتخلعه من مفصلاته!
نور صرخت واستخبت ورا ظهري، وسامح اتنطر من مكانه وجري ناحية الباب بصوت مكتوم: “مين؟!”
ما جاش رد بالأسماء، بس الصوت كان أبحّ وخشن وجاي من ورا الباب بكل غل: “افتح يا سامح! افتح بدل ما أهد الباب على دماغكم ودماغ أختك اللي مرمية على السلم!”
الصوت كان بتاع طارق.. جوز هبة!
أنا وسامح بصينا لبعض بصدمة ووشنا اتقلب أصفر. هبة مكنتش لحقت تبعد، وطارق كان وراها أو بيراقبها من الأول!
سامح قرب من العين السحرية وبص، ولقيته رجع لورا خطوتين وهو بيهز رأسه بلا.. بصلي ووشه ماليان رعب وقال بصوت واطي جداً: “طارق مش لوحده.. معاه اتنين شكلهم يقطع الخيط، وماسكين هبة من شعرها بره على السلم!”
صرخت بصوت واطي وأنا بحتضن بنتي أكثر: “يعني إيه؟! هما جايين يكملوا بقية المسرحية في بيتنا؟ اتصل بالشرطة فوراً يا سامح!”
قبل ما سامح يطول تليفونه، سمعنا صوت هبة بتصرخ من بره العمارة صرخة تجرح القلب: “الحقني يا سامح! هيقتلوني يا سامح! افتح الباب أرجوك الأوراق مش معايا كلها!”
طارق بدأ يضرب الباب بآلة حديدية، والصوت كان بيزيد ويهز الجدران، وجيران العمارة بدأوا يفتحوا الشبابيك والبيوب بصوت همهمة خايفة. طارق كان بيصرخ بصوت مرعب بره: “افتح يا سامح بدل ما أطربق العمارة دي باللي فيها! أختك سلمتني وسرقت المفتاح والأوراق، واللي جوة شقتك ده مش بتاعك.. ده يوديك أنت وهي للحبس والموت!”
سامح وقف في نص الصالة، الضغط عليه كان رهيب.. بين أخته اللي بتتصرخ بره وتحت إيد بلطجية، وبين بيته وبنته اللي متهددين في نص الليل. أخد نفس عميق، وعينيه أتحولت لنار.. فتح الترباس الأولاني، ورجعت أنا لورا وأنا بصرخ: “أنت بتعمل إيه يا سامح؟! هتعديهم علينا؟!”
سامح بصلي بصة عمري ما شوفتها في عينيه وقال: “مش هسيبها تتقتل على باب بيتي يا صباح.. بس وحياة ربنا لو قربوا منكم لأكون قاتلهم هنا!”
فتح الباب!
الدفعة كانت قوية لدرجة إن الباب اتفتح على آخره ودخل طارق وهو بيزق هبة قدامه، ووراه اتنين طوال وعراض، لابسين جواكت جلد سودا ووجوههم مفيهاش أي رحمة. هبة وقعت على سجادة الصالة تحت رجلينا، ودموعها وكدمات على وشها بتقول إنها اتضربت بره.
طارق بص في الصالة بعيون زي الشرار، ورفع صباعه في وش سامح: “فين الشنطة؟ فين الأوراق والسبائك والأكياس اللي هي كانت مخبياها هنا؟!”
سامح وقف قصاده ومسكه من ياقة قميصه بقوة: “أنت فاكر نفسك داخل زريبة ولا إيه يا طارق؟! أنت جايب بلطجية وداعي بيتي في نص الليل وتضرب أختي على السالم؟!”
طارق زق إيد سامح بسخرية وضحك ضحكة مجنونة: “أختك؟! أختك الهبلة دي كانت هتودينا كلنا في داهية! فاكر الأكياس اللي هي كانت بتحشرها في المفارش بتاعتكم دي إيه؟ فاكرها فلوس ودهب بس؟ أختك كانت بتنقل الهاردات والأوراق السرية اللي فيها البلاوي السودا بتاعة الشركاء الكبار! وهي فاكرة إنها شاطرة وبتخبيها عندك عشان محدش يوصل لها، بس الشركاء دول يقتلوا بلد كاملة عشان القرف ده!”
أنا كنت واقفة ورا حيطة المطبخ ومكسورة من الخوف على بنتي، بس الكلام اللي طارق قاله نزل عليا زي الصاعقة.. الأكياس مكنتش بس فلوس، الأكياس كانت فيها هاردات وميموري فيها بلاوي لشركاء كبار ومجرمين! يعني هبة مش بس استغفلتنا.. هبة حطت بيتنا وبنتنا في وش مدفع عصابة كامة!
بصيت لهبة وهي قاعدة على الأرض بتعيط، وقلت بصوت بيترعش من الغضب: “أنتِ عملتي فينا إيه؟ أنتِ خديتي بيتي ملجأ لعصابتك؟!”
هبة بصلتلي بكسرة وقالت: “والله ما كنت اعرف إنهم يوصلوا هنا يا صباح.. طارق كان بيهددني بالقتل لو الأوراق دي اتسلمت، أنا كنت بحاول أحمي نفسي!”
طارق ما استناش، شاور للاتنين اللي معاه وقال: “اقلبوا الشقة! هاتوا الشنطة والمفارش وكل حاجة في الأوضة جوة!”
الراجلين اندفعوا ناحية أوضة الأطفال، وسامح حاول يوقفهم، بس واحد منهم زقه بقوة طيره على ترابيزة الصالة اللي الاتكسرت تحته وسال الدم من جبهته!
“سامح!” صرخت بعلو صوتي وجريت عليه، وهو بيحاول يقوم وجبهته بتجيب دم.
في اللحظة دي، طارق دخل أوضة الأطفال وبدأ يرمي اللعب والمفارش والملايات بره، وطلع الشنطة اللي أنا كنت حشرت فيها الحسابات والدهب والمفارش المشقوقة. مسك الشنطة وفتحها، وبدأ يفتش فيها بلهفة مجنونة.
وفجأة.. وشه اتغير! ملامحه اتقبضت وبص لهبة بصدمة ورعب أشد من رعبنا كلنا: “فين الهارد الأسود؟! فين الفلاشة الحمرا يا هبة؟!”
هبة بصت له بذهول وهي بتترعش: “هما في الشنطة! أنا حطيت كل حاجة جوة المفرش المقطوع!”
طارق مسك المفرش المشقوق اللي أنا كنت مسكته الصبح وقلبه وقطعه بإيديه نصين.. الفايبر الأبيض طار في كل الأوضة وزي التلج، بس مكنش فيه غير أكياس الفلوس والسبائك.. الهارد والفلاشة مكنوش موجودين!
طارق مسك هبة من شعرها ورفعها من على الأرض: “فين الهارد يا خائنة؟! أنتِ سلمتيه لمين؟! الهارد ده لو ضاع، راسي وراسك وراس كل اللي في البيت ده هتقطع قبل الشمس ما تطلع!”
هبة كانت بتصرخ وبتحلف إنها حطتهم جوة المفرش اللي كان على سرير نور..
وهنا.. الصمت نزل على الأوضة فجأة.
كل العيون اتوجهت ناحية واحدة.. ناحية نور بنتي، اللي كانت واقفة ماسكة في جادوري، وفي إيدها الصغنونة.. شنطة ظهر صغيرة بتاعة الحضانة بتاعتها!
طارق بص للشنطة الصغيرة، وبدأ يقرب من بنتي بخطوات بطيئة ومرعبة.. وأنا حسيت إن قلبي بيتقطع 100 حتة. وقفت قدامه وسديت الطريق وجسمي كله بيترعش: “أنت لو قربت من بنتي هقتلك!”
طارق بصلي بعيون مفيهاش أي رحمة، ورفع إيده ومسكني من كتفي بغل عشان يزيحني من السكة.. بس سامح قام من الأرض وهو سايح في دمه ومسك فازة كريستال كانت على الترابيزة ورزعها على رأس طارق بكل قوته!
الفازة اتكسرت مليون حتة على رأس طارق، الدم سال من فروة رأسه في ثانية، وترنح لورا وهو حاطط إيده على دماغه وبيصرخ بصوت مكتوم ماليان غل.
الراجلين الضخام اللي كانوا معاه لما شافوا المنظر، اندفعوا على سامح زي الكلاب المسعورة. واحد مسكه من دراعه ولوى دراعه ورا ظهره، والتاني ضربه ببنيّة قوية في بطنه خلت سامح ينزل على ركبه وهو مش قادر ياخد نفسه، والدم بينزل من جبهته يغرق سجاد الصالة.
أنا صرخت بعلو صوتي: “سامح! سيبوه يا أولاد الكلب! سيبوه!”
هجمت على الراجل اللي كان بيضرب سامح، ضربته بإيدي في وشه وخربشته في رقبته، بس زقني بعيد بقوة خلاني وقعت على الأرض وجنبي خبط في حافة الكنبة.
في اللحظة دي، طارق كان مسح الدم اللي نازل على عينيه بآكمام قميصه، وشه بقى شبه الشياطين من كتر الغضب. بص لنور بنتي اللي كانت واقفة عند باب المطبخ، بتعيط بصوت يقطع القلب وهي ضامة شنطة حضانتها الصغيرة لحضنها بكل قوتها.
طارق شاور للراجلين: “كتفوا سامح ومراته! أوعوا حد فيهم يتحرك!”
الراجلين ثبيتلوا سامح وثبتوني على الأرض، وأنا بصرخ وبترجى وبحاول أملص إيدي من المسكة الحديدية بتاعة البلطجي، بس مكنتش قادرة. طارق مشي بخطوات بطيئة ناحية نور، كل خطوة منه كانت بالنسبة لي زي ساطور بينزل على رقبتي.
“نور! جري يا نور! ادخلي المطبخ واقفلي الباب!” صرخت بعلو صوتي.
بس نور من كتر الرعب رجليها اتجمدت في الأرض، مكنتش قادرة تتحرك ولا خطوة. طارق نزل على ركبة واحدة قدامها، وابتسم ابتسامة صفرا مرعبة، وحط إيده على شنطة الظهر الصغيرة اللي كانت ماسكاها: “هاتي الشنطة دي يا شاطرة.. عشان بابا ومامي ما يتأذوش.”
نور كانت بتهز رأسها بلا، ودموعها نازلة مغرقة وشها، بس طارق شد الشنطة من إيدها بصرامة وقوة خلت السوستة تتفتح.
قلب الشنطة على سجادة الصالة..
نزل منها كشاكيل التلوين، وعلبة الألوان الخشب، وعلبة العصير.. ومعاهم وقع الهارد الأسود الفلاشة الحمرا!
طارق أول ما شافهم عينية برقت بشرار، ضحك ضحكة مجنونة ووطى بسرعة لمهم من على الأرض وهو بيتفحصهم تحت نور الصالة: “أيوه.. هما دول! هما دول اللي كانوا هيودونا في داهية!”
هبة كانت قاعدة في ركن الصالة بتعيط ومخبية وشها بين ركبتيها من كتر الخوف والكسرة. طارق بص لها بقرف ورفسها برجله في جنبها: “قومي يا حثالة! طلعتِ حاطة الهاردات في شنطة البت؟! فاكرة نفسك ذكية؟!”
هبة صرخت من الوجع وقالت بصوت مكسور: “أنا مكنتش اعرف إن البت خدتهم! أنا حطيتهم جوة المفرش، هي أكيد لقياهم لما المفرش اتشق وأنا نايمة وأخدتهم لعبت بيهم!”
نور بصتلي وهي بتعيط وقالت بصوت يقطع القلب: “مامي.. أنا لقيت البتاع الأسود ده طالع من المفرش المقطوع إمبارح، افتكرتها لعبة زي الحجارة، فبيتها في شنطتي عشان أوريها لصاحبتي في المدرسة…”
قلبي كان بيتقطع 100 حتة وأنا سامعة بنتي.. هبة كانت مستهترة لدرجة إنها ثابت أدوات ووثائق لـ عصابة في متناول إيد طفلة عندها 7 سنين!




